الإثنين 11 رجب / 18 مارس 2019
06:30 م بتوقيت الدوحة

ما بعد جولة التصعيد بغزة!

152
ما بعد جولة التصعيد بغزة!
ما بعد جولة التصعيد بغزة!
على ما يبدو، فإن الاحتلال يتحاشى مواجهة شاملة مع غزة في الفترة الحالية، ليس فقط بسبب انشغالاته في ملفات أو جبهات أخرى، ومنها سعيه إلى تطبيع علاقاته بهدوء مع الدول العربية، وتوفير المناخ المناسب لتمرير ما تسمى «صفقة القرن» أو مخطط كوشنر.
إلا أنه في السياق ذاته، يعطي أولوية لمشروع إضعاف المقاومة الفلسطينية وتوجيه ضربات أمنية واستخباراتية لها، وفي السياق نفسه يأتي الحدث الذي جرى قبل أيام شرق خان يونس وما جرى قبل أشهر شرق دير البلح، والذي أسفر عن استشهاد عناصر من المقاومة خلال تفكيكهم منظومة تجسّس «إسرائيلية».
تكشف مثل هذه الأحداث عن حرب عقول أمنية واستخباراتية تدور رحاها في الخفاء بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال، كما تدل على أن الاحتلال لا يملك اختراقات ناجزة في بعض الدوائر النوعية للمقاومة، فيحاول الوصول إلى معلومات بالمخاطرة وتنفيذ عمليات تسلّل؛ إما لاختطاف أشخاص لهم اطلاع واسع، وإما لزرع منظومات تجسّس متطورة بالقرب من منازلهم وأماكن تجمعاتهم.
ذلك العوز المعلوماتي المبني على قراءة السلوك الاستخباراتي الميداني للاحتلال مؤخراً، ينبئ بدافع آخر وراء تأجيل الاحتلال مواجهة كبيرة واسعة مع غزة، فربما لا يعرف الحجم الحقيقي لقدرات المقاومة وإمكانياتها، ولم يعد قادراً على تحديد حجم أو طبيعة أو مدى الردود والعمليات التي قد تنفّذها في العمق الصهيوني حال المواجهة.
وكذلك فإن أعداد وطبيعة أنفاقها وتجهيزاتها الدفاعية، وهو ما عبّر عنه بعض القادة الإسرائيليين -صراحة- حين قالوا إنه لا يمكن تنفيذ عملية عسكرية كبيرة في غزة قبل الانتهاء من بناء الجدارين البحري والبري حولها.
ويعمل الاحتلال على هذه الجدران الأرضية في سعيه إلى محاربة الأنفاق منذ أكثر من عام، وقد تعطّل -أو تعرقل- عمله فيها منذ شهور نتيجة المسيرات الشعبية لسكان قطاع غزة قرب السياج الفاصل. والمقاومة تهدد الاحتلال من حين إلى آخر بعمليات اقتحام لم يشهد لها مثيل من قبل، وبوتيرة ردّ صاروخي أعلى حال عدوانه أو إن لم يرفع الحصار.
وكانت جولة التصعيد الأخيرة برهان على صدق بعض تلك التهديدات، فكثافة الرشقات الصاروخية التي أطلقتها المقاومة كانت الأعلى في يوم واحد منذ عدوان عام 2014.
وكان لافتاً أيضاً أن القوة التدميرية لصواريخ المقاومة تضاعفت عن قوتها السابقة، فقد دمرت أبنية في مستوطنات الاحتلال، وكانت أكثر دقة، وقد هددت المقاومة بالمزيد.
يبدو الاحتلال غير مستعد لهجوم واسع على غزة تخوفاً من النتائج وفقدان عنصر المفاجأة وغياب جزء كبير من المعلومة، وفشل عمليته الأمنية الأخيرة شرق خان يونس ومقتل قائد القوة المتسللة لم يكونا ضمن حساباته. وجاءت عملية تفجير حافلة الجنود الإسرائيليين بصاروخ الكورنيت فوق ذلك، وتبعها مشهد تمزّق مجموعة من الجنود والضباط في «كمين العلم». ضربات متتالية في وقت قياسي مع تداخل المعطيات الأخرى، أربكت حسابات الاحتلال وجعلته عاجزاً عن اتخاذ قرار سريع، أو توسيع عدوانه على غزة؛ الأمر الذي حُسب انتصاراً للمقاومة أو أقله عُدّ إنجازاً تاريخياً تكلّل باستقالة «ليبرمان» إقراراً منه بالخيبة والعجز والفشل.
على كل ما تقدّم، لا ينبغي التقليل من قدرات الاحتلال ولا الاطمئنان لجانبه، ومن الوارد أن يوجّه ضربة عدوانية غادرة، وهو ما ثبت أن المقاومة التي منها الشهيد نور الدين بركة كانت -ولا تزال- تدركه، برهنت على ذلك دماء الأمناء شرق خان يونس، فكانت جولة ذات دلالات في عدة اتجاهات رفعت الروح المعنوية وأكدت استقلالية قرار المقاومة وعززت حضورها. وتبقى قضية كسر الحصار من الأمور التي تتربع على سلم أولويات المقاومة حالياً، وأظن أن هناك من وضع لنفسه سقفاً زمنياً جاداً لذلك.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.