الثلاثاء 19 رجب / 26 مارس 2019
12:47 ص بتوقيت الدوحة

بريطانيا بين استحالتَي الطلاق والبقاء مع أوروبا

114
بريطانيا بين استحالتَي الطلاق والبقاء مع أوروبا
بريطانيا بين استحالتَي الطلاق والبقاء مع أوروبا
في كل مرحلة يزداد التعقيد وتنتصب الحواجز وتتصاعد التناقضات، ينطبق ذلك على كل الأزمات المعروفة، خصوصاً في العالم العربي، إلا أنه قد يثير الاستغراب في حال «البريكست» التي أظهرت بريطانيا كدولة مأزومة مثل سواها، ولا تمكّنها عراقتها من حل مآزقها، ومنذ التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء يونيو 2016، دخلت بريطانيا في تخبط ظهرت معالمه مجدداً بعدما توصلت حكومتها مع الأوروبيين إلى مسودة اتفاق على مرحلة انتقالية للانفكاك من الاتحاد، ما أن فُهِم مؤدى هذا الاتفاق حتى احتشد مؤيدو «البريكست» ورافضوه والداعون إلى استفتاء ثانٍ لـ «تصحيح» الأول، للتظاهر جميعاً أمام مقر رئيسة الوزراء، كلٌّ لأسبابه: المؤيدون أغضبتهم المسودة لأنها ابتعدت عن طلاق بائن مع أوروبا، والرافضون يريدون الاستمرار في الاتحاد، والآخرون يطالبون بإعادة الكلمة إلى الشعب، الذي يعتبرون أنه «خُدع» عندما دُعي إلى التصويت بنعم أو لا في الاستفتاء.
كان هناك خداع ما لبث أن كشفه الإعلام، وهو الإعلام نفسه الذي كان عمّم أرقاماً ملفقة عن مليارات ستوفرها بريطانيا حال توقفها عن دفع مساهمتها في الاتحاد الأوروبي، وبثّ حججاً مضخّمة عن أخطار الهجرة والمهاجرين، كما أجّج المشاعر القومية والشعبوية ضد الخضوع لـ «سلطة أوروبا» وقوانينها، والواقع أن الأهم، بمعزل عن التهييج والتحريض، كان افتقاد داعمي الخروج من الاتحاد لخطط مدروسة وبدائل، ولم تكن لديهم سوى خطابات مبنية على أفكار قديمة عن قدرات بريطانيا وجاذبيتها وإمكان بقائها مركزاً دولياً للمال والأعمال، كل ذلك لم تستطع حكومة تيريزا ماي ترجمته في التفاوض مع الأوروبيين، إذ كانت التوقعات والمؤشرات تنذرها باضطرابات اقتصادية ومالية وفترة ركود لن تقل عن عشر سنوات، غير أنها التزمت تطبيق «البريكست» باعتباره قرار الناخبين. لذلك كان لا بد من البحث عن السيناريو الأقل ضرراً، وهو ما تعتقد الحكومة أنها بلغته في المسودة الأخيرة، ووصفتها ماي بأنها «أفضل الممكن»، لكنها قد تكلفها منصبها ومستقبلها السياسي، من دون أن يعني ذلك أن خَلَفها يملك عصاً سحرية، فالخيار الآخر هو الخروج من الاتحاد الأوروبي «من دون اتفاق» بما ينطوي عليه من مخاطر مضاعفة، كانت رئيسة الوزراء سلّمت ملف التفاوض لأشد المتطرفين في تأييد الطلاق مع أوروبا ولم ينجحوا في المهمة، فبدأوا يروّجون أن الاتفاق مستحيل، وبرّروا فشلهم بأن الأوروبيين يطرحون شروطاً تعجيزية لإحباط الانفصال البريطاني، ثم اصطفوا للاستقالة بعدما واجهتهم ماي بأن أية حكومة لا تستطيع تحمّل التبعات الكارثية لـ «الخروج من دون اتفاق». وهكذا رجحت كفة الخيارات الوسطية لحلحلة العُقد الثلاث الأصعب، وهي أولاً مستقبل العلاقة التجارية مع أوروبا، وثانياً مصير الاتفاق الجمركي معها، وثالثاً بلورة صيغة خاصة لمشكلة الحدود بين شطري أيرلندا «المقاطعة الشمالية الخارجة من أوروبا بحكم تبعيتها لبريطانيا، وجمهورية أيرلندا الباقية مع أوروبا»، استعاد طرفا التفاوض اقتراحات قُدّمت عام 2016، وكانت فيها تسهيلات تجارية وجمركية لاجتذاب بريطانيا، غير أن المتشددين رفضوها آنذاك وأصروا على الاستفتاء، أما الحدود الأيرلندية فاقتضت الواقعية بأن توافق لندن على إبقائها مفتوحة، لأن هذا من شروط اتفاق السلام بين الشطرَين، ولو أن ذلك يشكّل تجزئة لـ «السيادة»، وفيما تعتبر رئيسة الوزراء أن مسودة الاتفاق هي خريطة مسهّلة لـ «البريكست»، يرى خصومها أنها خروج بمثابة بقاء مع أوروبا، والمسلسل سيستمر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.