الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
08:59 ص بتوقيت الدوحة

الإعلام غير السياسي

113
الإعلام غير السياسي
الإعلام غير السياسي
ما أن يجلس أحدنا أمام شاشة التلفاز لسماع الأخبار، إلا ويكون قد تهيّأ لخبر عن انتخابات رئاسية ينتظر فيها فقدان الرئيس المنتهية ولايته لمنصب الرئاسة، أو خبر عن معركة جديدة في الحرب التي تدور رحاها منذ سنوات، أو عن اتفاق للهدنة يتبادل فيه القائدان الابتسامات، بلا إشارة لليتامى والجرحى الذين لم يتخذوا قرار الهدنة، مثلما لم يتخذوا قرار الحرب. وقد نسمع أخباراً عن تبادل أسرى، وعن اعتصام هنا واحتجاج هناك ومظاهرات هنالك.. واختطاف ورهائن واغتيال.
ولا ننتظر في صدر نشرة الأخبار ولا في مانشيتات الصحف خبراً عن اكتشاف جديد في عالم الطب، رغم أهمية الخبر وارتباطه الوثيق بالحياة. ولا ننتظر خبراً عن تطوّر في صناعة الطائرات أو السيارات والحاصدات، وغير ذلك من صناعات واكتشافات واختراعات تجعل حياة الإنسان أفضل. وتظل أسماء مكتشفي اللقاحات وصانعي الطائرات والمتطوعين في الأعمال الخيرية مغمورة، بينما تُسلّط أضواء باهرة على الساسة؛ فنكاد لا نعرف أسماء العلماء الفائزين بجوائز نوبل في الطب والفيزياء والكيمياء رغم جهودهم المرهقة في مجالات علومهم النافعة، بينما تجد جائزة نوبل للسلام اهتماماً خاصاً لارتباطها بالسياسة.
وعندما كان الرئيس الأميركي الأسبق كارتر في الحكم، كانت أضواء الإعلام مسلّطة على حركاته وسكناته -ولو فشل- كما حدث عندما حاول إنقاذ الرهائن الأميركيين في سفارة بلاده بطهران. ولما غادر عالم السياسة انحسرت عنه الأضواء كثيراً رغم الجهود العظيمة التي تضطلع بها مؤسسته الطوعية، مثل نجاحها الباهر في محاربة دودة غينيا.
قد يملأ السياسي الدنيا ضجيجاً وبلا نفع ملموس، كما يفعل ترمب، لكن الكاميرات تتبعه أينما حل وأينما ذهب.. في حين يعمل مؤسس جمعية خيرية عظيمة في صمت ونسمع أخباره لماماً، كما الحال مع بيل جيتس الذي أسس مع زوجته مؤسسة «بيل وميلندا جيتس» صاحبة المبادرات الخيرية العديدة.
كادت السياسة أن تحتكر الإعلام.. فما سر ذلك رغم قتامة معظم أخبار السياسة؟ ألأنّها تُشبع في الإنسان ميلاً نحو الإثارة يا ترى؟
تتعدد التفسيرات، وقد ترد مبررات للحالة، لكنها كلها لا تنفي أن كثافة الأخبار والتعليقات السياسية في الإعلام تعكس خللاً في التوازن المطلوب. وبما أن الأخبار لا تتدفق ذاتياً من مصدر مجهول، فإن التفسير الأوحد هو أن المدارس الإعلامية المسيطرة هي التي أوجدت للأخبار السياسية هذا التمدد على حساب الأخبار غير السياسية.. وعليه، فلن يتحقق التوازن المطلوب إلا بظهور مدارس إعلامية تراعي هذه الضرورة بما يجعل النشرة الخبرية تغطي كل المناحي التي تهم المتلقي؛ فنسمع في صدر نشرة الأخبار المحلية خبراً يقول إن جماعة حماية البيئة تبدأ اليوم برنامجها الصيفي، وإن جمعية أصدقاء المرضى تبدأ حملة لنظافة المستشفيات. وفي الأخبار العالمية: اكتشاف عقار لعلاج ارتفاع ضغط الدم، وأن كارتر يواصل جهوده في محاربة عمى الأنهار، وبيل جيتس يتبرع بمليارات لمكافحة الملاريا في إفريقيا.. وتجد في النشرة جمعيات «الإصلاح» الكويتية و»قطر الخيرية» و»بنك الطعام» المصرية، و»شباب شارع الحوادث» السودانية، الاهتمام الإعلامي المستحق.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.