الخميس 14 رجب / 21 مارس 2019
02:27 م بتوقيت الدوحة

أسئلة النهضة والخروج من المأزق الراهن (3-3)

172
أسئلة النهضة والخروج من المأزق الراهن (3-3)
أسئلة النهضة والخروج من المأزق الراهن (3-3)
ما جدوى العمل إذا كنّا محكومين بالقوى العالمية والدولية، والتي لا تريد لنا النهوض؟ هذا هو السؤال الثالث من أسئلة النهضة، وهو وإن كان -كما يبدو- مبسّطاً ومباشراً، لكنه في الحقيقة يستبطن أسئلة وتصورات دينية وسياسية مركبة ومعقّدة.
في الجانب الديني، هنالك ارتباك واضح، أساسه الخلط بين مفهوم الإيمان بالغيب والتوكل على الله، وبين تقدير الواقع وتحدياته وتوازناته، فهناك من يعتقد أنه مع التوكل على الله وصدق النية فإنه يكفي الأخذ بأدنى الأسباب المتاحة، ويستشهد بعموميات قوله تعالى: «إن تنصروا الله ينصركم»، وأن مريم -عليها السلام- هزّت الجذع فتساقط الرطب، وعليه فيمكن للمسلمين اليوم أن ينتصروا جملة واحدة على أميركا وروسيا ومن وراءهما، فإن لم يتحقق ذلك كانت المشكلة في درجة الإخلاص ومقدار التوكل، وربما فات هؤلاء أن القرآن قصّ علينا قصة أصحاب الأخدود، وكيف تمكنوا من القضاء على الثلّة المؤمنة بالحرق دون أن يتدخل القدر، وإنما اكتفى القرآن بالتعقيب: «وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد»، فالاختلال الكبير في ميزان القوى هو وحده المسؤول عن هذه الفاجعة الأليمة، إذ لم يذكر القرآن سبباً يتعلق بأولئك المؤمنين، بل لقد ذكر القرآن صراحة: أن بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيّين! والنبيّون هم مثلنا الأعلى في الإيمان والتوكّل.
عند السياسيين، هناك جدل آخر لا يقل اشتباكاً واشتباهاً عن الجدل الديني، يتلخّص فيما بات يعرف بـ «عقدة المؤامرة»، فهناك من يعتقد عقيدة راسخة بالقدر الأميركي أو الماسوني الذي يتحكم بأنفاس الخلائق، وهناك من يسخر من هذا القدر، ويعتقد أن المؤامرة الغربية أو الماسونية أشبه بقصص الجن وأساطير العفاريت، وبين الفريقين يجلس أصحاب المنهج الوسطي التوفيقي، وعن يمينهم وعن شمائلهم فئات وفئات وأفكار وأفكار لا تحصى.
إن هذه المجادلات -الدينية والسياسية- أضافت عبئاً جديداً وثقلاً مضافاً، فمع كل حدث هنالك انشطار واتهام واتهام مضاد، هل كانت الحروب العربية الإسرائيلية حروباً جادة، أم كانت مسرحية متفقاً عليها؟ ولو كانت جادة فهل كانت معقولة في ظل الدعم الغربي اللامحدود لإسرائيل؟ والمقاومة العراقية للاحتلال الأميركي كذلك، وتجارب الربيع العربي، ومعارك اليمن الأخيرة، وتجارب الحركات الإسلامية الصاعدة والنازلة، كلها تخضع لهذا النمط من المجادلات والاتهامات والشتائم المتبادلة.
إن تقدير مواقف الآخرين منّا ومن مشاريعنا، ينبغي أن يخضع لدراسة موضوعية وتفصيلية شاملة، فالآخر الذي نتكلم عنه ليس واحداً، حتى ضمن الدولة الواحدة، ونحن كذلك لسنا حالة واحدة، فأهل العراق والشام ينظرون اليوم إلى حزب الله وميليشياته الطائفية أنهم من جبهة -الآخر- المعادي، بينما ينظر له بعض الفلسطينيين أنه جزء من -الأنا- المقاوم والممانع! وهذه محل خلاف عميق حتى ضمن المدرسة الدينية أو السياسية الواحدة!
ومع كل هذه الفوضى العابثة والمصالح الجزئية الضيقة في تقديرنا لمواقف الآخرين، لا زال فينا من يصرّ على حمل اللافتات الشمولية، وتبني الخطاب الذي يعني فيما يعنيه مواجهة العالم كل العالم، لأن «الكفر ملة واحدة»، ومواجهة الداخل كل الداخل، لأن هذا الداخل كله أنظمة فاسدة وحدود مصطنعة، ومواجهة حتى الأخ المختلف معنا لشكّنا في صدقه وباطن نيّته!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.