السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
06:25 م بتوقيت الدوحة

في انتظار «غودو»..!

257
في انتظار «غودو»..!
في انتظار «غودو»..!
كثيرون هم من يحسدون الرئيس التسعيني الباجي قايد السبسي على حيويته الذهنية، بل يراه البعض «أسطورة ديناصورية» لم يَجُد بها الزمن إلا لماماً. وقد قال يوم الخميس الماضي إنه «آخر الكبار» ممن مد الله في أنفاسهم، وقال أيضاً إن التونسيين الذين انتخبوه يعلمون عمره وصحته وكل شيء عنه.
هنا، لم يعد يحسده أحد عندما انبرى له في اليوم نفسه راقص كوليغرافيا تونسي شهير اسمه رشدي بن بلقاسم، ليكتب له في اليوم نفسه على أشهر مواقع التواصل الاجتماعي أن «الراقصة أشرف من السياسي»، فقد خانه التعبير وجانبته الكياسة التي بدا بها حديثه المتلفز بإظهار وافر احترامه لمهنة ساعي البريد «البوسطجي»، ولم تكن سوى مقدمة كيّسة ليقول إنه ليس ساعي بريد بين الحكومة والبرلمان، وإنما رئيس دولة يسهر على حماية الدستور بالحرف، ويتصدى لمن ينتهكه حتى ولو كان رئيس الحكومة الذي أتى به للحكم قبل سنتين.
الحكاية بالطبع لم تكن مجرد استعارات لصور طريفة يسلّي بها الرئيس شعبه الغاضب من كل شيء والساخر من كل شيء، وإنما هي فصل جديد من الأزمة السياسية التي تعصف بتونس منذ ما لا يقل عن 8 أشهر، وتحديداً عندما شب رئيس الحكومة الشاب يوسف الشاهد عن طوق الرئيس العجوز، وقرر أن ينحت لنفسه طريقاً غير طريق السمع والطاعة التي بدأ مسيرته فيها عندما استنجبه رئيس الدولة لمنصب رئيس الحكومة. ففي الأثناء، جرت تحت الجسر مياه كثيرة، وقطع الخلاف بين الرجلين مسافة بعيدة بلغت أوجها الأسبوع الماضي، عندما قرر يوسف الشاهد إجراء تحوير وزاري بمفرده -وفق ما يخوّله له دستور البلاد- فرفضه رئيس الدولة «لأسباب إجرائية»، واشتعلت الدنيا من حولهما كما لم يحدث أبداً في تاريخ تونس.
لا يكاد التونسيون يصدّقون سمعهم وبصرهم لما يحدث ويدور، وهم الذين تربوا لقرابة الستة عقود على أن رئيس الدولة معلق في أعلى سماء، لا يُردّ له أمر ولا يناقشه إلا صفوة من اصطفاهم خلف الأسوار العالية. وإذا بالأزمة المفتوحة بين «الرئيسين» تُفتح على الشارع، وقد علّق في بعض أطرافها سعاة البريد والراقصون أيضاً. التونسيون ذاتهم الذين تركوا السياسة للسياسيين لعقود مديدة، أصبحوا مضطرين إلى الاحتفاظ بنسخة من الدستور في السيارة أو في ركن من البيت، يعودون إليه بضعة مرات في الشهر ليفهموا ماذا يحدث بين القصرين، وليتبينوا مَن مِن ساكني قصري قرطاج والقصبة على حق ومن على باطل؛ فتلك أحكام الديمقراطية التي أتت بـ «أحسن دستور في العالم» كما وصفه يومها الشيخ راشد الغنوشي وردّدها وراءه كثيرون، قبل أن يتوقفوا عن ترديد ذلك اليوم.
وفي الوقت الذي يميل فيه البعض إلى الاستمتاع بأول تجربة «تعايش سياسي» في تونس، وفي البال متعة المتفرجين من بعيد على تشويق التعايش الشهير بين رئيس الجمهورية الفرنسية جاك شيراك الديغولي ورئيس حكومته ليونيل جوسبان الاشتراكي في مطلع الألفية الثانية، فإن الواقع يقول إن الباجي قايد السبسي ليس ديغولياً ويوسف الشاهد ليس اشتراكياً، وكلاهما ليس فرنسياً، وإنما هما سليلا حزب «نداء تونس» الذي فشل في التعايش مع نفسه فأنتج على الساحة التونسية ما يقترب من إنتاج رائد «مسرح العبث»، «صمويل بيكيت» ورائعته «في انتظار غودو»، بكل ما تحمله من مفاجآت على الخشبة التونسية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018