الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
10:00 ص بتوقيت الدوحة

«النهضة».. قليل جداً ومتأخر جداً!

149
«النهضة».. قليل جداً ومتأخر جداً!
«النهضة».. قليل جداً ومتأخر جداً!
قبل أسبوع، كنت أتحدث هنا في هذا الموضع عن «نهاية الأيديولوجيا» أو «نهاية التاريخ» بالمعنى الفوكيهامي في تونس.. عن تحالف حكومي تأكد الآن بين إسلاميي «النهضة» وبين علمانيي حزب «المشروع»، رغم محاولة مداراته بشتى العبارات الزئبقية الغائمة من قبيل «المصلحة الوطنية» و»الالتقاء حول الخطوط الكبرى»، لكن نجاح تمكين حركة «النهضة» الإسلامية من الحكم، وتصدرها للخارطة السياسية لا يعني أنها طبّعت نهائياً مع التونسيين، ولا أنها باتت في منأى عن توجسهم، بالحق حيناً وبالباطل حيناً آخر.
يقول ابن المقفع في أثيل أثره: «لكل حريق مطفئ إلا نار الحقد لا تخبو أبداً»، ناهيك عن «الحقد المقدس» الذي جاءت به الأيديولوجيات، ثم توارثه أتباعها من مشارب سياسية يمينية ويسارية، تجعلهم يدورون فيه لمدد تطول وتقصر، كما يدور جمل البيدر مغمض العينين، ذلك هو حال «النهضة» و»الجبهة الشعبية» ممثلة لأقصى اليسار التونسي، ووراءه كارهو الإسلام السياسي بسجلاته التاريخية المثقلة، ولو طلع من جلده ما عرفوه!
وفي هذه الأيام، لا حديث يعلو فوق حكاية «الجهاز السري» لحركة «النهضة»، الذي أعادته إلى سطح الأحداث وثائق هيئة الدفاع عن شهيدي الاغتيال السياسي الأخيرين في تونس شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وثائق تلقي التهم المباشرة على «النهضة» بالضلوع فيهما، فضلاً عن اتهامها باختراق وزارة الداخلية حتى وهي ماسكة بالحكم، فيما يريد أعداؤها القول إن طبيعتها لا تتغير حتى وإن لبس قادتها ربطة العنق، حتى وإن وشّحوا خطابهم بـ «ربّ اجعل هذا البلد آمناً».
انتقل الصراع إلى البرلمان لطلب مساءلة وزيري الداخلية والعدل، حول محتويات «الغرفة السوداء»، وللبحث في سيرة الحبيب خضر، المتهم بأنه المسؤول عن «الجهاز السري»، لكن طلب المساءلة سقط في الماء بسبب التفوق العددي لنواب «النهضة» في البرلمان، فأجّجوا بذلك الشكوك حول الأحجية الجديدة، وعمّقوا شرخ الثقة لدى عموم المتابعين.
ذلك ليس الخطأ الأول الذي يقترفه رموز حركة «النهضة»، فقد كان لانفلات ألسنة بعضهم، ولحضورهم المبالغ في وسائل الإعلام نتائج عكسية، حملت من الاستفزاز أكثر مما حملته من التوضيح، وكما ربحت «النهضة» طيلة السنوات الثماني الماضية كثيراً من «التمكين»، وبعضاً من تعديل الصورة، فقد أضاعت فرصاً كثيرة لإعلان نقد ذاتي حقيقي وعميق، يقطع مع صيتها المشوش الذي سبق حضورها في الحكم على مدى ثلاثة عقود من الزمن.
الآن، ومع الورطة الجديدة، ومع ما يسلط على «النهضة» اليوم، ومع ما يؤخذ عن موروثها الإخواني، وغير بعيد عن صدام موارب مع مؤسسة الرئاسة، ومع عداءات قوى إقليمية أجّجتها تصريحات الغنوشي الأخيرة، يتضح أن ترديد مفردات من قبيل «المراجعات» و»فصل الدعوي عن السياسي» لم تكن فاعلة بما يكفي، في واقع كان يحتاج إلى «شجاعة اعتراف» أوفر، وإلى رسائل قطع أوضح، مع إرث الصورة القديمة، ففي السياسة لا تكفي الأقوال ولا حتى الأفعال أو الاعتزاز بالتابعين المضمونين أمام سطوة ما يستقر في أذهان الجموع -بالحق أو بالباطل- أن الحصار السياسي الفاشل الذي قرره أعداء «النهضة» لها، يفتح على قرار ملاحقات قضائية داخلية ودولية، قد يتضح معه لاحقاً أن ما أنجزته «النهضة» لنفسها -قبل البلاد- قليل جداً ومتأخر جداً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018