السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
05:38 م بتوقيت الدوحة

أخذتني المدن

139

سحر ناصر

الخميس، 01 نوفمبر 2018
أخذتني المدن
أخذتني المدن
ما المدينة المفضلة لديكَ؟ لندن، نيويورك، طوكيو، برلين، باريس، اسطنبول، بيروت، أم غيرها من المدن التي تحلمُ بالاستقرار فيها أو تُخطط لذلك؟
أعتقد أن الكثير سيُفكّر بأنه قد يرغب في زيارة معظم المدن بالعالم، ولكنه لا يشعر بالراحة إلا بالاستقرار في مدينته، وفي وطنه. وقد يفكّر الكثير منّا أيضاً حبّذا لو تُصبح مدينته كهذه المُدن، أو ربّما تأخذ من كلّ مدينة في العالم بعضاً من ميّزاتها، كأن تأخذ بيروت مثلاً من لندن الحرص الدائم على عراقة المباني التاريخية وترميمها بدلاً من بيعها أو هدمها، وأن تأخذ بيروت الحدائق الشاسعة من نيويورك، وكأن تأخذ من طوكيو التطور التقني واحترام الآخرين والاعتزاز بالعادات والتقاليد، لا الانسلاخ منها، وكأن تأخذ من باريس الرومانسية الحالمة، حيث العشاق لا يكتفون من التقاط صورهم بالقرب من برج إيفل، ومن إسطنبول الحُلم بإعادة الحياة إلى الماضي لاستثماره في الحاضر من أجل مستقبل أكثر قوّة وإشراقًا.
قد تجمع بيروت كل هذه الميزات، وهو ما يجعلها عاصمة تستقطب الكثير من السياح الأوفياء، الذين يشعرون بالحبّ تجاهها فقط لأن آباءهم نقلوا إليهم القصص والحكايات عن لبنان وعن أهله، ولا سيّما السياح العرب من العراق الشقيق والخليج القريب.
المدينة المفضلة لديّ هي ذاكرتي، التي أجمع فيها الجميل من كلّ مدينة، فلا مدينة واحدة تُغني عن جميع المُدن، من لندن أحتفظُ بتلك الأيام التي أحسستُ فيها بأنني سطر من ذهب في كتاب تاريخي لا يُقدّر بثمن، انتقلت فيه بين صفحة وأخرى، واكتشفتُ أسرار إمبراطورية لم تغب عنها الشمس. ومن نيويورك استجمعتُ الحُلم بالمضي قدماً في الصعود إلى القمم العالية لأرى العالم بشكل أوضح، ومن باريس احتفظتُ بنكهة الآيس الكريم التي منحتني فرحة الحبّ الطفوليّ في شارع الشانزليزيه، ومن إسطنبول خبأتُ في جعبتي درساً سيُذكرني دائماً بأن الإنسان وإن أصبح سلطاناً وحَكم نصف العالم، فإن مُلكه زائل وأن لا مُلك إلا لله تعالى.
ومن بيروت مدينتي... حملتُ في قلبي حبّ الناس على اختلاف طباعهم وجنونهم، وحبّ الاستمتاع بالتفاصيل البسيطة، فكوب القهوة الدافئ في شتاء بيروت عند كورنيش «الروشة» لا تُضاهيه قهوة فاخرة في فندق فخم، والسير على الأقدام لمسافات طويلة مع سندويش من الفلافل في شوارع بيروت أطيب من طبق «كبد الأوز» الأغلى من الذهب! ورائحة الزنبق الزكية التي تنبعث من محل الأزهار لا أُقاضيها بباقة فاخرة من ورد محنط خالدٍ إلى الأبد في مزهرية سوداء فرنسية.
ومن قصص مدينة بيروت وحكايات أهلها، تشبّعت ذاكرتي بالدروس التي غرست فينا الصمود، والشجاعة، والقوّة في مواجهة التحديات، وفنّ التعامل مع الأزمات، والتعلّم أن الحياة وردية وإن كانت رمادية.
في كلّ مدينة آلاف الحكايات.. وفي اليوم العالمي للمُدن الذي احتفل به العالم يوم أمس 31 أكتوبر، جددت الأمم المتحدة دعوتها إلى الحكومات والأفراد للتركيز على مسألتين: القدرة على الصمود، والاستدامة، في عالمٍ يرصد اليوم نزوح نحو 1.4 مليون شخص أسبوعياً إلى المدن، ما يُساهم في زيادة مخاطر الكوارث الطبيعية والتي هي من صنع الإنسان.
للمُدن ذاكرتها.. فكما تذكرون تفاصيل المدينة التي تعشقونها.. كذلك هي تذكر وجوهكم وتحتضن ذكرياتكم فأكرموها بالحفاظ عليها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

صفقة مع الشيطان

21 فبراير 2019

حضور وانصراف

14 فبراير 2019

«اللا شيء»

07 فبراير 2019