الإثنين 11 رجب / 18 مارس 2019
06:28 م بتوقيت الدوحة

«نهاية التاريخ» في تونس!

208
«نهاية التاريخ» في تونس!
«نهاية التاريخ» في تونس!
عدا الضجيج اليومي الذي يذكّر بما يصدر عن سرك مفتوح في تونس، هناك حدث جلل لم يجانب الصواب من وصفه بالحدث «التاريخي»، بل لعله التطور السياسي الأبرز على الساحة العربية والإسلامية منذ ارتدادات زلزال سقوط جدار برلين عام 1989.
ليس الحدث سوى بداية وضع الحرب الأيديولوجية أوزارها بين اليمين الإسلامي وبين اليسار المعتّق، وتحديداً بين حركتي «النهضة» و»مشروع تونس» اللذين كانا حتى أيام قليلة خلت يستلان السكاكين في وجهي بعضهما ويُعملانها في الظهر وفي الكبد.
لقد كان الحرج بادياً بوضوح على وجه السيد محسن مرزوق زعيم «مشروع تونس» وهو يعلن بصوت يحاول ألا يتهدج أن «الصراع الأيديولوجي تم حسمه بالدستور الذي ضمن الحريات الفردية والجماعية وأقر المساواة التامة بين المرأة والرجل وضمن حرية الضمير».. كان ذلك كلاماً زئبقياً حاول به امتصاص وقع الصدمة على أنصاره وهم يستمعون إلى زعماء حركة «النهضة الإسلامية» يعلنون بفرح عن عقد اتفاق «هدنة أيديولوجية» مع السيد مرزوق، ومن ثم الانصراف إلى معالجة واقع سياسي متحرك يستوجب البراجماتية، وربما الالتقاء قريباً جداً في حكومة واحدة تتكون من جذاذات اليسار العتيق ومن بقايا «الإسلام السياسي» المتحول.
ويا لفداحة الصورة حين يكون الشخصان المعلنان عن ذلك اليوم هما محسن مرزوق وعبدالكريم الهاروني اللذين كانا يتزعمان المجموعات الطلابية المتناحرة، ويتواجهان بالعصي وبالسلاسل المعدنية وأنصال سكاكين المطبخ في ساحات الجامعة التونسية إبان ثمانينيات القرن الماضي، وليس بالعهد من قدم!
ما من تزيّد في الحديث عن «نهاية التاريخ» في تونس أيضاً بعد أن بشّر بها العالم فرانسيس فوكوياما في كتابه (1992) «نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man».
لكن تأخذ تلك النظريات المزلزلة وقتها في قطع مسافات الزمن لتحط في هذه البقعة الصغيرة من العالم، مستعينة بما طرأ على العقل السياسي الإنساني من تغيرات جمة نجد ملخصها في كتاب «نهاية الأيديولوجيا» لدانيال بيل، على أن الناس عرضة لمثل هذا التطور بغضّ النظر عن اختلافاتهم الأيديولوجية، ومعه يلاحظ سيمور مارتن ليبيست في كتابه «السياسي: القواعد الاجتماعية للسياسة» أن «الديمقراطية ليست فقط الوسيلة التي تستطيع مجموعات مختلفة من خلالها بلوغ غايتهم أو الوصول إلى مجتمع سليم، بل هي أيضاً الممارسة الفعلية لفكرة المجتمع السليم». وذلك بالضبط ما يبدو أن محسن مرزوق وعبدالكريم الهاروني قد أدركاه بعد طول اقتتال؛ أي أنهما لم يعودا بحاجة إلى أيديولوجيات كمحفز ودافع للعمل السياسي بعد أن تعبا من مكر التاريخ.
لقد كان العالم ينظر إلى التجربة التونسية في سنة 2014 على أنها المرة الأولى التي يلتقي فيها الإسلاميون والعلمانيون في مشروع حكم بلد عربي، ولم يكن ذلك دقيقاً بما يكفي؛ لأن الباجي قايد السبسي لم يأتِ إلى الشيخ راشد الغنوشي من أقصى اليسار العلماني، ولم يكن توافقهما يومها أكثر من اقتراب يسار اليمين من يمين اليمين. أما اليوم، فيمكن فعلاً الحديث عن تحالف إسلامي-يساري، ومنه عن بداية «نهاية التاريخ» في تونس بالمعنى الفوكويامي. وقد يأخذ الأمر وقتاً إضافياً بالنسبة لآخرين، لكنه أمر باقٍ ويتمدد.. حتماً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018