الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
08:57 م بتوقيت الدوحة

العالم أمام اختبار الإنسانية

العالم أمام اختبار الإنسانية
العالم أمام اختبار الإنسانية
أحدثت قضية الكاتب السعودي جمال خاشقجي ثورة ضمير في وسائل الإعلام الغربية، التي تولي الملف اهتماماً بالغاً منذ اللحظة الأولى، وتنشر كافة تفاصيله، نظراً لشهرة الضحية، وبشاعة الجريمة، وحساسية القضية، لأن مسرح الأحداث مبنى قنصلية ومقر إقامة قنصل.
هذه الثورة ضرورية للحفاظ على ما تبقى من النظام العالمي، واحترام المواثيق والاتفاقيات الدولية، ولمكافحة العقلية المتوحشة التي تعتقد أنها يمكن أن تشتري الجميع، وتفعل ما تشاء، وترتكب ما يحلو لها من جرائم، دون أن تلقى ردود فعل رادعة. وهي العقلية ذاتها التي قامت بقرصنة مباريات مونديال روسيا، وانتهكت حقوق البث المباشر. لأن تهور هذه العقلية التي ترى نفسها فوق القوانين والمواثيق والاتفاقيات، يشكل تهديداً كبيراً للسلام العالمي، ولا يقل خطره عن خطر الإرهاب.
جريمة اغتيال خاشقجي لم يسبق لها مثيل. ولم يشهد العالم من قبل تعذيب كاتب صحافي في مقر دبلوماسي، وقتله بشكل وحشي. لأن مبنى القنصلية يتمتع بالحصانة الدبلوماسية وفقاً لاتفاقية فيينا التي تنظم العلاقات الدبلوماسية بين الدول، إلا أن هذه الحصانة لا تُمنح المقرات الدبلوماسية كي تتحول إلى مقرات أمنية يتم فيها التحقيق مع المعارضين وتعذيبهم وقتلهم. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن الكاتب السعودي مطلوباً في أي قضية من قبل قوات الأمن السعودية. ومن المؤكد أن انتهاك اتفاقية فيينا ستكون له تداعيات لا يمكن تجاهلها أو غض الطرف عنها.
تركيا تبذل جهوداً حثيثة لكشف ملابسات اختفاء خاشقجي. وأجرت النيابة العامة في اسطنبول تفتيشاً جنائياً دقيقاً في مبنى القنصلية ومقر إقامة القنصل السعودي محمد العتيبي استمر عدة ساعات، علماً أن هذا النوع من التحقيق لا يتم إلا في مسرح الجريمة، ما يعني أن السلطات التركية لديها أدلة أخرى تشير إلى اغتيال خاشقجي في القنصلية السعودية.
المحققون الأتراك جمعوا كمّاً هائلاً من الأدلة والعينات، سواء في مبنى القنصلية أو بيت العتيبي، ليتم فحصها في مختبرات الشرطة والطب الشرعي. وبعد ذلك ستتضح الصورة وسيكتمل الملف لتقديمه إلى المحكمة، من أجل محاسبة المتورطين في الجريمة. وكما صرح وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، ستعلن تركيا نتائج التحقيق إلى جميع العالم، بكل شفافية، ودون أن تخفي منها شيئاً.
النتائج التي ستعلنها النيابة العامة في اسطنبول ستضع العالم أمام اختبار كبير. وسيحدد النجاح والرسوب فيه جواب هذا السؤال: هل ستتم محاسبة القتلة المجرمين ومعاقبتهم ليكونوا عبرة للآخرين؟ أم ستُدفن القضية انحيازاً لتلك العقلية المارقة التي إن لم يتم ردعها الآن فستواصل بالتأكيد جرائمها في حق الإنسانية؟
المجتمع الدولي فشل فشلاً ذريعاً خلال ثورات الربيع العربي، في الوقوف إلى جانب كرامة الإنسان وحقوقه. والمأمول في قضية خاشقجي أن لا يتكرر هذا الفشل المخزي، ولا يتم تقديم المصالح الضيقة على المبادئ والقيم.
حجم التفاعل العالمي مع قضية اختفاء خاشقجي في مبنى القنصلية السعودية باسطنبول يبعث أملاً للمطالبين بكشف الحقائق ومعاقبة المجرمين. والمطلوب من وسائل الإعلام، ومنظمات حقوق الإنسان، وجميع أحرار العالم، أن يواصلوا الضغوط على كل من يسعى إلى إفلات المجرمين من العقاب، لأن عدم معاقبة المتورطين في اغتيال خاشقجي سيكون انتصاراً للشر والإجرام، وسيحوِّل العالم إلى مكان أقل أمناً واستقراراً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.