الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:34 ص بتوقيت الدوحة

خاشقجي.. لا عنفَ في سيرته ولا دمَ على يديه

خاشقجي.. لا عنفَ في سيرته ولا دمَ على يديه
خاشقجي.. لا عنفَ في سيرته ولا دمَ على يديه
أصبح اختفاء جمال خاشقجي قضية دولية أكبر مما كان لأحد أن يتصورها، تحديداً لأن اختفاءه حصل في مقر متمتع بالحصانة الدبلوماسية التي يُفترض أن تحمي شاغليه وزائريه على السواء، ولو خرج منه بعد دخوله لما كانت هناك اليوم مساءلة للسعودية وقنصليتها في اسطنبول، تلك هي المسألة ببساطة، لكن الاختفاء ما لبث أن عنى إما إخفاء -أي خطفاً- لا يزال هناك مَن يتمنّى ظهور خاشقجي، أقله لتخفيف التكهنات حول مصيره، أو عنى تصفية جسدية، طرحت التساؤل عن الجثة، وسط سيل من التسريبات والتفاصيل المروّعة، والمؤكد أن هذه التفاصيل هي التي فاقمت الأزمة دولياً، وفتحتها على أسوأ الاحتمالات.

عرفتُ جمال خاشقجي منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتطورت علاقتنا من زمالة عمل في «الحياة» إلى صداقة حافلة بالنقاش مع اختلاف بيّن في الرأي، لكنه الاختلاف الذي لا يفسد الود والاحترام المتبادلين، وهو ما أصبح نادراً في هذه الأيام مع احتدام التعصّبات والاستقطابات، كان لديه فضول لمعرفة كيف يفكّر غير الإسلامي وكان لديّ فضول معاكس، لم ألمس لدى جمال تفكيراً انقلابياً أو رفضاً جذرياً لما فعله واجتهد به غير الإسلاميين، وكأي صحافي يواكب الأحداث بتوق إلى الحقيقة، لم يتوانَ عن البحث في أعماق الظواهر التي يشهدها، وبالنسبة إلى بلده السعودية، كانت لدى جمال مرارات لا تختلف في شيء عن مشاعر أي عربي تجاه بلده في المراحل السابقة والحالية، وفي بعض النقاشات، عندما تتوسّع الحلقة وينضمّ إليها أصحاب الآراء المعلّبة، كان لافتاً بسعة اطلاعه وبأصالة دفاعه عن بلده.

لا ضرورة لأن تعرف جمال كي تحزن أكثر أو أقل على إخفائه وتغييبه، فالرجل واقعي ومتواضع وليس له وجهان ولسانان، قد يكون أكثر تحفظاً أو صراحة بحسب المقام، إلا أنه لا يتبنّى الشيء ونقيضه بحسب المقام أيضاً، مثقف مسالم، لا عنف في سيرته ولا دم على يديه، لا تطرف في سلوكه ولا شبهة في وطنيته، لا يقدم نفسه إخوانياً أو سلفياً بل مسلماً وسعودياً معتزاً بهويته، ولعله من الإسلاميين القلائل الذين راجعوا أنفسهم في وقت مبكر، كانت تجربة أفغانستان قد علّمته وصقلته، من السفر إلى الجهاد إلى العودة الطبيعية منه، ومن معايشة المتطرفين وتفهمهم ونقدهم إلى معرفة المعتدلين والتقرب منهم إلى اعتناق الاعتدال تفكيراً وسلوكاً شخصيين، لم يخفِ مآخذه على الإسلاميين «أو الليبراليين» بل كتبها ووقّع عليها، وفي الأعوام الأخيرة أصبحت مصطلحاته أكثر قرباً من مفاهيم يعتبرها الإسلاميون غربية، وبالتالي مرفوضة، لكنه عندما كان يتحدث عن حرية الرأي والتعبير كان يعني ما يقوله، ولم يكن همه إرضاء جمهور إسلامي أو غير إسلامي، وحين تناول بعض القضايا السعودية المحلية غير السياسية كالعمالة الوافدة وسعودة الوظائف، بدا بالغ الانخراط في مجتمعه ومثيراً للجدل.

شخصية مثل جمال استطاعت أيضاً أن تلفت الغربيين، الذين يقولون إنهم كانوا يفهمون الشأن السعودي من خلاله، وإنه ليس معارضاً يبحث عن تغيير للنظام، ولذلك لم يُنسب إليه تجريح بأشخاص الحكم، بل تفاؤل بالنهج الإصلاحي المتبع للقطاع الاقتصادي، ولتقليص سلطة رجال الدين، لكن مع الإلحاح على مواصلة الإصلاح، ولا شك أن حملات الاعتقال أقلقته ودفعته إلى ترتيب خروجه، ليتمكن من التعبير عن آرائه بحرية، وبعيداً عن الضغوط، ومع ذلك رسم لنفسه حدوداً لم يتجاوزها، محافظاً على الولاء لوطنه بالقول إن في رقبته «بيعة»، ومتوقعاً أن يقابل حسن ظنه بالمثل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.