الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
09:12 ص بتوقيت الدوحة

جحا وسيزيف في الوجدان العربي

161
جحا وسيزيف في الوجدان العربي
جحا وسيزيف في الوجدان العربي
في إطار مسرح العبث السياسي الدائر حالياً في منطقتنا، تنتابني الحيرة والاندهاش أحياناً من سلوك وتصريحات ومواقف بعض «المسؤولين»، التي أصبحت مؤخراً «مسخرة كاملة المعاني، ومتكاملة الأركان».
والأمثلة تستعصي على الحصر، منها على سبيل المثال فقط: دول معروفة بتدخلها في شؤون جيرانها مثل دول الحصار الرباعي على قطر، ترتدي ثوب البراءة، وتطالب في بيان رسمي على هامش اجتماعات وزراء خارجية جامعة الدول العربية في القاهرة، بوقف تدخل تركيا وإيران في الأزمة السورية!!
انظر من يطالب؟!! وبماذا يطالب؟!
تخيل أن مسؤولي دول الحصار هم من يطالبون بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة مثل سوريا، يتدخل في أزمتها نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بينما ينتقي هؤلاء المسؤولون دولتين فقط هما: تركيا وإيران!!
ويتجاهلون أن قطر أيضاً دولة مستقلة، ويتعين أن يتوقفوا هم أنفسهم عن التدخل في شؤونها الداخلية، وأن يتراجعوا عن الحصار البري والبحري والجوي الذي يضربونه عليها منذ 5 يونيو من العام 2017 الماضي.
كثيرون يتخذون من هؤلاء «المسؤولين» مجالاً للسخرية، خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي، والبعض يشبّه أحدهم بـ «جحا المصري»، بينما يشبّه آخرون البعض منهم بـ «سيسي فوس» الشهير بـ «سيزيف» في الدراما الإغريقية القديمة، ويعكس التشبيه خلفية وثقافة من يطلقونه، بما يبرهن على انقسام المجتمع العربي بين أصحاب هذين التوجهين: التوجه الأول نحو المشرق والثقافة الشرقية، والتوجه الآخر نحو الحضارة الغربية وثقافتها وقيمها، ولا أجد ضيراً في ذلك.
ربما تمنيت يوماً أن يلتقط أحد الباحثين الجادين فكرة المقارنة بين شخصيتي جحا في ثقافة المشرقيين، وسيزيف في ثقافة الغربيين، كونهما شخصيتين تتميزان بالتعقيد والغموض، وأنهما ساهما على مر العصور في إلهاب خيال الكتّاب والمفكرين وأصحاب القلم والرأي في العالم شرقه وغربه، لعل باحثاً أكاديمياً جاداً يستطيع أن يفسّر أسباب هذا التناقض في شخصية هؤلاء المسؤولين في دول الحصار.
بالتالي، فإن شخصية جحا هي نتاج «عقل جمعي» على مدى عصور متعاقبة من فترة بواكير الإسلام حتى زماننا هذا، كما أنها أيضاً أنتجت بأكثر من صورة في البيئات العربية والفارسية والتركية والمصرية والهندية، بحيث كان لكل بيئة نموذج «جحا» الخاص بها، بحيث صار هناك «جحا الفارسي» و«جحا التركي» و«جحا المصري» و«جحا الهندي»، بجانب النسخة الأصلية منه وهي «جحا العربي» ابن شبه الجزيرة العربية.
وبالتالي، يمكن فهم التطور الخاص بشخصية جحا في التراث الشعبي الجمعي للمشرقيين، ويثار التساؤل هنا: هل أنتجت الحضارة الغربية نموذجاً خاصاً لجحا العربي أو المصري أو الهندي أو التركي؟! في تقديري أن أقرب نموذج لشخصية جحا -خصوصاً في جانب المكر والدهاء- في الثقافة الإغريقية القديمة التي هي الأساس الأول للثقافة الغربية، هي شخصية سيزيف أو «سيسي فوس» الذي يُعد أحد أكثر الشخصيات مكراً ودهاء في الميثولوجيا الإغريقية، وقصة سيزيف هي قصة التحايل على الآلهة بشتى أساليب المكر والدهاء.
وفي النهاية أقول، إن جحا وسيزيف صنوان لا يفترقان في السياسة العربية هذه الأيام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.