الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
09:11 ص بتوقيت الدوحة

لولا الدّراهم ما حيّاك إنسان

199
لولا الدّراهم ما حيّاك إنسان
لولا الدّراهم ما حيّاك إنسان
يحكمون عليك من خلال مظهرك، ماذا تلبس؟ هل ما ترتديه ماركة مسجلة؟ هل ما تحمله من صيحات الموضة الأخيرة؟ نوع سيارتك، حتى نعلك وحذاؤك -أجلكم الله- من أي الماركات العالمية؟! إذا كان إكسسوارك من «دولتشي» الإيطالية، وعطرك من «شانيل» الفرنسي، وساعتك من «هيرميس»، ونظارتك من «فرساتشي»، فقد حزت قصب السبق في جولتك اليومية. فعجب من عصر أصبحنا نمثّل فيه ونقيّم بنوع الأشياء وثمنها وماركاتها وشركاتها وبلد مصدرها.
فالمظهر الحقيقي لك، وفق نظرهم، ليس أي مظهر، وإنما الذي يجري فيه تقييمك بمئات الدولارات من رأسك حتى أخمص قدميك. ففي هذه الحالة أنت إنسان، بل ومحترم أيضًا، ويقف الجميع لك إجلالًا وتقديرًا، ويستجيبون لك خير استجابة. ويتعاونون معك أحسن تعاون، لأنك فاخرٌ بمظهرك الذي يغنيهم عن الالتفات إلى مخبرك ومكنونك وجوهرك.
يا للهول من هذ الأمر الشائع بيننا! إنه الاحترام الأجوف المقعر، فوالله ما هكذا يقاس الإنسان، ولا هكذا تقيّم البشرية. فالله خلقنا في أحسن صورة وتقويم، ووصّانا بالتمتع بالطيبات من الرزق والاستئناس بها «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا»، وليس القصد ذلك كله الزهد المغرق، أو السعي للعدم والبؤس. ولكن القصد ألا يكون هذا الطريق في التعامل وتقييم البشر هو معيارنا السائد، وشغلنا الشاغل، وهو القصد الماثل حتى يكون الذي أمامك صاحب شأن وصاحب تقدير، فقد يكون أحدهم بسيطًا في مظهره، لكنه غني في مخبره أشد الغنى. فلنعلم علم اليقين أن الله ينظر إلى بواطننا وجوهرنا وفطرتنا، لا إلى مظاهرنا وتنعمنا وإسرافنا، مع تقديره ودعوته إلى الزينة والتنعم من غير خيلاء أو إسراف، وبما يرضيه سبحانه وتعالى. وخير ما يصف الحال قولنا:
حيّا محياك الــــــــــذي أنكرتـــــــــــــه * فالمال حياهـــــــــــم فحيــــــــــــوك به
حقًا فمال المرء في أعرافهــــــم * أصل وما الوجدان معدود بـــــــه
لكن أصل المرء جوهر خلقه * فالله كرمّــــــــــــــــــه قـــــــد اعتزّ بـــــــــه
وصل بنا الحال أنّ أحدهم لا يلقي السلام عليك، ولا يقوم بتخليص معاملاتك وطلباتك إلا إذا بانت عليك مظاهر النعيم والعز، وتأكد بأنك صاحب مال وجاه، وتلبس الفاخر، وتركب السيارة الفارهة، وكم تتعدد المواقف اليومية وفق هذا النمط من البشر، وليس لنا سوى أن نقول، كما قال الشاعر:
حيّاك من لم تكن ترجو تحيته * لولا الدراهم ما حيّاك إنسان
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

(حِكَمٌ دُرِّيَّةٌ)

24 مارس 2019

الحَميَّة

17 مارس 2019

الدين

10 مارس 2019

مغامرة الكتابة

03 مارس 2019

الحرية

24 فبراير 2019

بريد العمر

17 فبراير 2019