الثلاثاء 19 رجب / 26 مارس 2019
11:27 م بتوقيت الدوحة

أونلاين

169

عزة العلي

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018
أونلاين
أونلاين
ثلاثون دقيقة هي الوقت الذي قضاه معاذ يوم أمس «أونلاين»، أو كما نقول «متوفراً» على تطبيق «الواتس آب»، ومنشغلاً عن كل تلك الرسائل التي تصله من أصدقائه ومعارفه، ما بين رسائل عتب ولوم، لعدم استجابته ورده عليهم، ورسائل خاصة أخرى لنفس الغرض.
«شابك أونلاين وما ترد»... كانت تلك هي فحوى كل الرسائل التي أرسلت له دون التماس العذر، أو حتى المبادرة بالاطمئنان عليه. نتساءل لماذا انشغل معاذ كل هذا الوقت عن أصدقائه ولزم الصمت وعدم الرد عليهم يا ترى ما السبب؟
«حمد» هو الابن الأصغر لمعاذ، ويعاني من مرض «اللوكيميا»، أي سرطان الدم، وما قضاه معاذ من وقت طويل على «الواتس آب» كان ليتواصل مع طبيب ابنه الخاص في الخارج، مستعرضاً التقارير الطبية التشخيصية لحالة حمد المتأخرة، والتي أصبحت حياته إلى الموتِ أقرب.
من وجهة نظري، هناك أسباب كثيرة للصمت قد يجهلها الكثيرون: فقد نحتاجه في كثير من الأمور في حياتنا؛ احتراماً لهؤلاء الذين لا نود خسارتهم أو حتى أن نجرحهم بكلامٍ غير لائق.
وفي القدم قالوا «في الصمت بلاغة»، وتأتي البلاغة هنا في العرضِ عن اللغو والكلام الجارح أو التشكيك في صحة ما يقال، وكذلك اختيار الوقت المناسب للصمت، مع مراعاة شعور الآخرين، إذ يفسر البعض هذا الصمت بأنه استخفاف وتجاهل لهم أو «تطنيشا» متعمداً.
ومن وجهة نظري، أرى أن الصمت أكبر تأثيراً وتفضيلاً من الكلام في كثير من المواقف، والتي قد يتسبب الكلام في نهايتها بقطع علاقات تمتد لسنوات.
والصمت كذلك لا يعني الجهل بما حولنا، ولكن قد يعني أن ما حولنا أحياناً هو من لا يستحق الكلام ولا الاهتمام، وكثير منا يرى أن الصمت يعتبر ترفعاً عن الثرثرة الزائدة لتلك العقول الفارغة.
ومن أحد أسبابه كذلك، أنّ من امتلأت قلوبهم بالمشاعر أصبحوا عاجزين عن التعبير بالكلام ويفضلون الصمت ليكون للغة العيون والقلوب هنا نصيباً من الوقت.
أؤكد أن الصمت فن وثقافة، يجب أن نعززها بحسن استخدامها وتداولها، فإن لم تكن بحاجة إلى الكلام فاصمت ودع الآخر يتكلم، وهو العلم الأصعب من الكلام، وما يمنحنا الطاقة الإيجابية لقوة التفكير بعمق واختيار الإجابة المناسبة، وهي لغة جميلة لا يقدّرها إلا من ذاق حلاوتها، وهي مشاركة إنسانية لا تعني السكوت.
فمن يشتاق ليس صامتاً، ومن يفكر بعمق ليس صامتاً، ومن يحلم بمستقبله ليس صامتاً، ومن يتقي شر الناس ليس صامتاً، وإنما قد وصل لمرحلة النضوج العقلي.
والسكوت ليس علامة الرضا، كما اعتدنا سماع ذلك في كل شيء، وإنما هو صمت الحكمة، والترفع عن صغائر الأمور.
جرّب أن تصمت قليلاً وتفكّر كثيراً، ستجد كل من حولك يكنّ لك كل احترام وقبول لتزداد هيبة حضورك.
يحضرني هنا قول لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: «إذا تم العقل نقص الكلام»، وقال: «بكثرة الصَّمْت تكون الهيبة».
ذهبٌ كان هو السكوت في الوقت الذي قد يصبح الكلام فيه من فضة، فأيهما تفضل أن تقتني؟
انعكاس
في الصمت نكسب ألف حسنة وفي بعض الحديث خسرانُ!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

واحد / صفر

15 يناير 2019

العرّافة

03 ديسمبر 2018

ديتوكس

20 نوفمبر 2018

أنا آسف

10 سبتمبر 2018

بدون سكر

04 سبتمبر 2018

تراب من ذهب

27 أغسطس 2018