الثلاثاء 17 شعبان / 23 أبريل 2019
12:54 م بتوقيت الدوحة

جولة في خزانة ذكريات محمد عبدو

الدوحة - العرب

الخميس، 20 سبتمبر 2018
جولة في خزانة ذكريات محمد عبدو
جولة في خزانة ذكريات محمد عبدو
قليلة هي التوثيقات المهنية التي صدرت تُسجّل للصحافة الخليجية -‬ومنها ‬القطرية- ‬ما شهدته من حيثيات الانطلاقة في النصف الثاني من القرن الماضي، وتحديداً منذ أواسط السبعينيات عندما اضطلع الإعلام القطري بقيادة المشهد الإقليمي، وأحدث فيه منهجيات حظيت بإبداع مهني يعزّز الثقة والمصداقية‭.‬ الزميل محمد عبدو‭- ‬ المدير الفني لـ «العرب»- له في هذا المجال ما يستذكره من رحلة عمل طويلة شملت لبنان والكويت وواشنطن والمغرب وتونس وقطر، الطبعة الدولية من صحيفة السياسة الكويتية التي كانت تصدر بالدار البيضاء سنة 1990، فهو في جولته بخزانة الذكريات، ينطلق من الوعي بأن الصحافة العربية مرت بالعديد من المحطات في طور نشأتها فأصبحت بالنسبة لها علامات فارقة تؤرخ لحقب مختلفة منذ أن ظهرت صناعة الورّاقين عبر العصور.‬
ولربما كانت أكثر المحطات الحديثة أهمية، هي الازدهار والتوسع الأفقي والرأسي الذي شهدته الصحافة العربية جراء دخول تقنيات الطباعة في النصف الثاني من القرن الماضي. أهم نتائج ذلك التحول -كما يراها الأستاذ محمد عبدو- هي ارتباط عقود الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات ببلدان عربية معينة، يستذكر المتابعون مدخلاتها في تجويد مدخلات الصناعة الصحافية من منظور الأدوات والمحتوى وحتى الطاقم البشري.
زميلنا محمد عبدو هو واحد من الوجوه اللبنانية التي عاصرت فترة السبعينيات من نمو الصحافة العربية، وحركة تمددها وتنافسها المهني والسياسي داخل الوطن العربي وخارجه، فهو بحكم وجوده في المطابخ الفنية للصحف، والتي تمنح المحتوى الإخباري شكله وشحنته النفسية، يستذكر المحطات السياسية الكبيرة.
يقول الأستاذ محمد عبدو، إن الأصل في الإخراج الفني ليس ماكينة أو روبوتاً ينفّذ أوامر آلية، وإنما هو تفاعل بشري مع المحيط الذي يتنفس ويعيش خلاله من يحترف هذه المهنة، فبشرية وآدمية الفنان الذي يتولى الإخراج هي أساس تفاعلاته مع واقعه المادي المحسوس، وبالتالي يكون الإخراج الفني هو ابن بيئته والمعبّر عنها بأدوات معاصرة.
ويضيف: إن المواكبة وتطوير الواقع المادي، يلخّصه ثالوث الممارسة والتدريب والتأهيل، فعملية الإخراج الفني ليست حقولاً ينفّذها الكمبيوتر أو تصميماً بارداً تخطه ريشة فنان، إنما هي تعبير حي ومبسّط لما يحتاجه الناس ويجعل ارتباطهم بالمطبوعة أقوى، وهذا بعض ما تجلت به الصحافة القطرية في العقود الثلاثة الماضية.
فالقارئ الذي يبدأ الصحيفة بقراءة العناوين أولاً، يدرج تلك الرغبة كأولوية ملحة وبالتالي يسعى إلى تنفيذ رغباته تلك بأسرع ما يمكن ليحصل على حاجته من وجبة إخبارية مبدئية، وبعد إشباع تلك الرغبة الأولى الضاغطة ربما مضى بعدها للتفاصيل الخبرية في المطبوعة، أو اكتفى بوجبته السريعة فينصرف لعمل يهمه وربما العودة في وقت آخر للمتابعة، وعلى النقيض من هذا القارئ يوجد آخر تستهويه التفاصيل، ولهذا نستميت في البحث له عن تبويب يوصله لإشباع رغباته بسرعة، وقارئ ثالث ربما يكون تجسيداً لمرحلة تقع ما بين هذين النقيضين، وعلى هذه الحرفة الفنية في مزاوجة خدمة الشكل للمحتوى، تسيّد الإعلام القطري منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي معرض تعليقه على سيرته الخاصة وكيفية تأثرها بإقامته في الخليج، ذكر الأستاذ محمد عبدو -الملقب بأبوخالد- أن سنوات عمله بالكويت في الفترة التي رافقت وأعقبت الحرب اللبنانية أثرت كثيراً عليه وعلى أسرته، ففي تلك الفترة كان الهم الوطني وما سيكون عليه لبنان في اليوم التالي، يسيطر عليه بشدة، وبالنتيجة، وبعد انسداد الأفق السياسي، أصبح الاستمرار في العمل بالكويت ضرورة لسلامة أسرته وأمنها بعيداً من ألسنة اللهب المشتعلة في بيروت وضواحيها.
ورداً على محرّضات الجهوية في العمل الصحافي، قال إن انحداره من جنوب لبنان جعله يحس بأن قدره رماه بين فكين فولاذيين حادين يتهددان سلامته. أولهما إسرائيل ومتاخمة الجنوب اللبناني لها، ما يجعله أول من يسدد دوماً فواتير عربدة واستهداف اسرائيل لأهل جنوب لبنان جراء مغامراتها العسكرية الدموية.
ثاني الأسباب أن النخبة اللبنانية الحاكمة نظرت للجنوب كمنطقه أقلية مهمشة، فأوغلت في إهمالها لأسباب عدة ربما يكون منها، والحديث للأستاذ أبو خالد، اختلاف الجنوب عقائدياً عن تلك النخب، أو لأن الوجود السوري المتاخم جعل الجميع يضحي بالجنوب كمختبر لاشتباكات العرب المتخاصمين. هذا الوضع لم يتغير حتى بعد نزول قوات الردع العربية في عام 1967. ومن إسقاطات تلك الفترة أن العيش في لبنان كان يعني بالضرورة القبول بالتحزبات السياسية، وبالتالي ضرورة الاصطفاف خلف تنظيم لبناني معين، وهو ما مزّق أية رغبة لكثيرين -وهو منهم- بالبقاء في لبنان كمواطنين لبنانيين محايدين.
ويضيف أبوخالد: انعكاسات هذه الأوضاع عنت لي ولأسرتي الأمان اليومي والخبزة على الطاولة، فقررنا أن نواصل العيش بالكويت.
أهمية الصحافة الكويتية، في حينه، بالنسبة لمن يوثّق تاريخ الإعلام الخليجي -والحديث لأبوخالد- أنها كانت سنوات طويلة من الاحتكاك والاستفادة من تجارب الآخرين، ومن ثم البدء في التأصيل للونية خاصة في فنون الإخراج الفني، ظللتُ أجوّدها وأطوّرها على الدوام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.