الأحد 17 رجب / 24 مارس 2019
03:40 ص بتوقيت الدوحة

ثقافة «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم»

240

سحر ناصر

الخميس، 20 سبتمبر 2018
ثقافة «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم»
ثقافة «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم»
نحن أربع شباب قاعدين في البيت بلا شغل... اتقوا الله فينا.. كيف أُعطيك ضريبة وأنا مش لاقي أكل؟ وأنا مش لاقي دواء.. مش لاقي حتى أشرب.. اسجني لقولي هذا الكلام في العلن.. فالسجن أرحم من البطالة.. في السجن أنتم مجبرون على توفير المأكل والملبس إلى أن أموت رحمة من الله. أما خارج السجن، فأنا أموت جوعاً، وأدفن شبابي بالبطالة حياً.. هذا جزء من صرخة شاب عربي -أفضّل ألّا أذكر أي بلد عربي كي لا أُتهم بأنني ضدّ الأخوّة العربية، وكي لا يتخذوا من الآراء والقضايا حجّة لاتهام الكتّاب بالقدح والذمّ والسبّ والقذف وما إلى ذلك، حيث باتت أغلب المسؤولين العرب يخافون من الكلمة- المهم.. هذا الشاب العربي -الذي تم تداول فيديو له في اليومين الماضيين على وسائل التواصل الاجتماعي- اقتحم ندوة كان يقدّمها أحد المسؤولين أمام لفيف من الحضور يشرح لهم أهمية فرض ضرائب جديدة على الشعب، بما سيُساهم في تحقيق النهضة الاقتصادية للوطن، محاولاً إقناعهم بأن ارتفاع نسبة الضرائب مهمّة جداً لبقاء الدولة، وأن محاربة الفساد تبدأ من فرض الضرائب، وأن كينونة الأمة المجيدة والمصير العربي المشترك ومحاربة «العدّو» تقف على ضرورة تنويع الضرائب، وشمل الفقراء دون الأغنياء فيها لأنهم الأكثرية، ولأنهم حماة الوطن وسياجه وبنّاء المستقبل!
ربّما لم يُدرك هذا المسؤول أن «مجيدة» ماتت عام 1948، وأن المصير العربي المشترك دُفن في كامب ديفيد أكثر من مرّة، وسيُصلى على جثمانه قريباً في سلامٍ يلوح في الأفق، يحوّل ما تبقى من المجتمعات العربية إلى نسخة عن المجتمعات المشتتة، حيث تنتشر الآفات الاجتماعية الخطيرة، وأولها البطالة تمهيداً لتهيئة الشباب العربي للقتال كمرتزقة، أو للجوء لخيارات مفروضة عليهم، مثل تعاطي المخدرات والمتاجرة بها، وصولاً إلى الشواذ وغيرها، حيث الأخلاق لا تُسكن الجوع.
مشهد هذا الشاب العربي وهو يحكي للمسؤول بحرقة موجعة «توقف عن بيعنا الكلام.. روح اتغدى»، ومن ثم موجهاً الكلام لأحد الحاضرين في القاعة قائلاً: «أنتَ.. اكتب تقريرك عنّي.. وأرسله للجهات المعنية، وأدخلني السجن لأنني قلتُ إنني عاطل عن العمل.. وإنني جائع».
حقيقة.. يدمي القلب قبل العين لمن يجد في قرارة نفسه أنه إنسان؛ فكيف بحال من منحه الله سلطة ليكون مسؤولاً عن الناس؟
أعتقد أن حالة الإحباط التي تتفشى بين الشباب العرب هي حالة مدروسة تأتي في سيناريو إعادة رسم المنطقة العربية، للأسف الكثير من المسؤولين يساعدون على تنفيذ ذلك بفسادهم. ولحماية مجتمعاتنا في الحدّ الأدنى، لا بدّ من حلول جدّية تتطلب تعزيز ثقافة محاربة الفساد منذ الصغر، حيث لا نقبل بأن يُغرس في عقول أبنائنا ثقافة القرود «لا أسمع، لا أرى، لا أتكلّم» التي تشبّعنا بها في البيوت والمدارس والجامعة والعمل، حيث عندما تنطق بما تراه حقاً يتم وصفك بـ «طويل اللسان»!
أنا إنسان. أنا أسمع وأرى وأتكلّم. ولا سبيل لهم ليُخرسوني سوى أن يدفنوني.
وإن نجحتم في ذلك مؤقتاً.. فسيأتي «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

صفقة مع الشيطان

21 فبراير 2019

حضور وانصراف

14 فبراير 2019

«اللا شيء»

07 فبراير 2019