السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
08:53 م بتوقيت الدوحة

عودوا إلى المدرسة.. بدفاتركم وبشائركم

عودوا إلى المدرسة.. بدفاتركم وبشائركم
عودوا إلى المدرسة.. بدفاتركم وبشائركم
كان منذ طفولته مندفعاً متحمساً حادّ المزاج، وقد ظهر ذلك واضحاً عندما أتم الرابعة من عمره؛ حيث شاهد أقرانه في الحي يتقدمون بصحبة أهاليهم للالتحاق بالمدرسة، فما كان منه إلا أن عاد إلى بيته صارخاً: لِمَ لمْ يذهبوا به ليسجلوه في المدرسة؟
وتلقّى أبوه غضبته بابتسامة، ثم أوعز لأخيه أن يصطحبه معه للمدرسة، كي يسمع بأذنيه من مديرها أنه ما زال صغيراً، وسيسجلونه العام المقبل.
دارت الأيام مسرعة، وحل العام الجديد، والتحق بالمدرسة التي كان يحلم بها، ودخل غرفة الصف، ولم تكن الصورة ناصعة برّاقة كما كان يظنّها، حيث استقبلهم معلم الصفّ الأول بوجهٍ متجهّم، وبدأ ينبّه، ويحذّر.
لم يكن ذلك المعلّمُ قسوة كلُّهُ، بل كان يقسو علينا تارة، ويحنو علينا أخرى، وكنا في دواخلنا نحسد أولئك الذين هم في الغرفة المجاورة لنا، ينعمون بضحكات أستاذهم ونكاته.
في أول يوم ماطر في الصف الأول، جاء ذلك الطفل البريء "الشقي" مبكّراً إلى المدرسة، وكان حذاؤه ممرغاً بالطين، واحتار كيف سيدخل غرفة الصف؟ فقال مخاطباً زملاءه: كيف تدخلون الصف وأحذيتكم ممرغة بالطين؟ هل تفعلون ذلك في بيوتكم؟ فصاح الجميع بصوت واحد: وماذا نفعل؟، فقال لهم: هيا أسرعوا واخلعوا أحذيتكم بباب الصف! فأسرع الطلاب ينفذون ذلك، ولكنه ما إن خلع حذاءه مثلهم حتى شعر أن ذلك الفعل غريب، وبدأ يفكر بأخيه قائلاً: لم يخبرني أخي يوماً بأنهم يخلعون أحذيتهم في الصف، فما العمل؟ وإذن فقد قرّر أن ينتعل حذاءه، وما إن جاء المعلم حتى فوجئ بأكوام من الأحذية تتجمع أمام عتبة الباب، فضحك مقهقهاً، وعندما سألهم من أين جئتم بهذه الفكرة؟ أشاروا بصوت واحد إلى صاحبنا، فنظر إليه الأستاذ فرحاً يريد أن يكافئه ولكنه صُعق عندما رآه وحده -وهو صاحب الفكرة- منتعلاً حذاءه دون أصحابه، فتحوَّل فرح الأستاذ غضباً وتأنيباً متهماً إياه بأنه يحاول أن يجعل من زملائه أضحوكة.
انتهى العام الأول، وتخرّج ذلك الفتى في المرتبة الأولى في الصف مناصفة مع زميل آخر، ورجع بشهادته فرحاً مسروراً، وأمضى سحابة الصيف في حقول التين والعنب، التي لم تنسه مدرسته الحبيبة، وبدأ يعد الأيام منتظراً العودة للمدرسة، وبدأ يتشوق إلى مغامراته البسيطة مع زملائه في الصف..
وينقضي الصيف، ويجيء الخريف، ومع الخريف تأتي المدرسة.
عاد ذلك الطفل في يومه الأول من الصف الثاني، ليجد أستاذه ينتظره بابتسامة صادقة، ذلك الأستاذ الذي كان يؤنبنا بقسوة وبعدها بدقيقة يكسر لنا حبات الحلوى بالمطرقة كي تكفي الجميع.
يكبر ذلك الفتى، ويغدو في الصفّ الرابع، ويتميّز في كل شيء، لا سيما في اللغة العربية، ودارت الأيام، ومرّت الأيام، وأصبح الطالب معلّماً، ودرّس الأولاد والبنات، كان يقسو ويحنو، كان يذكر حبات الحلوى، وما زال يكتب في كل عام على السبورة، في أول يوم دراسي، كلمات الشاعر سليمان العيسى:
نشيد النورِ في شفتي
تعيش تعيش مدرستي
أحـب معلمي الغالي
أحبكِ يا معلمتي
أرى علمي، أرى وطني
أرى الدنيا بمدرستي
أما أنتم يا طلاب أكاديمية قطر، فهنيئاً لكم معلموكم، وهنيئاً لمعلميكم بكم..
وهذه أكاديميتكم، لا تبخل عليكم بشيء، فهي توفر لكم كل مصادر العلم والمعرفة والتربية، وتشيع بيئة آمنة صالحة، فالكل يشعر بالراحة والطمأنينة، والمتعة، والفائدة، فعودوا بدفاتركم، وأغانيكم، وبشائركم، ولتكن البسمة في شفاهكم، ولتعش مدرستكم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.