الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
01:59 ص بتوقيت الدوحة

القرن الصيني

القرن الصيني
القرن الصيني
تاريخ العلاقات بين الشعوب والأمم والدول فترات، ومراحل، ليست على وتيرة واحدة، تستمر حقباً عديدة. خرجنا في القرن الماضي من سطوة دول احتلت العالم مثل بريطانيا، التي تحكمت في إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، ومعها فرنسا، حتى الحرب العالمية الثانية، والتي خلقت واقعاً سياسياً جديداً، تمثل في سيطرة أميركا على مقدرات العالم، مع منافسة على استحياء مع الاتحاد السوفييتي السابق قبل انهياره، وتفرد واشنطن باعتبارها القوة العالمية الأولى بإدارة شؤون العالم، حتى اعتبر المراقبون أن القرن الماضي كان أميركياً بامتياز، ولأسباب عديدة ليس هذا مجالها، بدأت رحلة التراجع، عززها سياسات تباهى بها رئيسها دونالد ترمب نفسه عندما رفع شعار "أميركا أولاً"، وأعلن ضجر أميركا وانسحابها من مشاكل العالم من حولها، بل ودخل في خلافات مع الجميع، خاصة حلفاءه التاريخيين في أوروبا، وصلت إلى درجة الحروب الاقتصادية، مثلما الأمر مع الصين.
كل المؤشرات تقول إن القرن الحالي صيني بامتياز، فبكين وفقاً لاستراتيجية مرسومة بعناية وبتنفيذ محكم، تتوجه بثقة وثبات لأن تحتل قمة العالم وقيادته، ولعل القمة الأخيرة لدول إفريقيا التي استضافتها بكين مؤخراً، تعتبر بلا جدال خطوة مهمة في تلك الاستراتيجية، فمنذ عام ٢٠٠٠ أصبحت الصين المنافس والشريك بعد أميركا وفرنسا في القارة الإفريقية، حيث أعلنت في أكتوبر من نفس العام، عن إنشاء منتدى التعاون الصيني الإفريقي لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الطرفين، وأصبح يضم كل الدول الإفريقية، وهي القمة الثالثة، والتي عقدت تحت عنوان "الصين إفريقيا: نحو مجتمع أقوى مع مستقبل مشترك من خلال التعاون المربح للجانبين"، وشارك فيها زعماء ٥٣ من رؤساء دول إفريقيا، إلى جانب مراقبين من العديد من المنظمات الدولية والإفريقية، والأمين العام للأمم المتحدة، ومنذ القمة الثانية التي استضافتها جنوب إفريقيا في عام ٢٠١٥، شهد الجانبان تعاوناً على مستوى عال، فقد قام الرئيس الصيني بثلاث جولات في إفريقيا، بينما استضافت الصين حوالي ٣٠ رئيساً في زيارات دولة أو للمشاركة في فعاليات دولية.
لقد أفسح استياء الدول الإفريقية من سياسة وصراع أميركا والأوروبيين، وتاريخهم الاستعماري القديم والمستمر القائم على الاستغلال، الطريق أمام الصين لسد الفراغ، وتحولت إلى حليف مقبول لدى الجميع، خاصة أنها تملك التكنولوجيا الحديثة، التي ساهمت بها في بناء القدرات الإفريقية الواعدة، التي تسجل أعلى معدل للنمو، مقارنة ببقية دول العالم، والأهم أنها اعتمدت في سياستها على تغليب لغة المصالح المتبادلة، والاحترام والمساواة، دون التدخل في شؤون الآخرين، مع تبني منطق مختلف عن السياسات المالية الغربية، يتجلى في القروض الميسرة، والاستثمار دون شروط، إضافة إلى المساعدات المجزية، وقد دخلت الصين على خط مشروعات البنية التحتية المفيدة للدول الإفريقية، والتي تعتبرها الصين جزءاً من مشروع القرن، وهو مبادرة الحزام وإحياء طريق الحرير، الذي أعلنت عنه لبناء شبكة تربط الصين براً وبحراً، بجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطي والشرق الأوسط وأوروبا وإفريقيا، وتعهدت الصين بتوفير أكثر من ١٢٥ مليار دولار، والتي تمثل أهم مصدر للتمويل الحيوي لدول العالم الثالث، ولا تقتصر في هذه الحالة على إفريقيا.
أمر تولي الصين قيادة العالم في القرن الحالي ليس بالأمر السهل، ولن يمر دون عوائق وعقبات من قوى منافسة، في مقدمتها أميركا، رغم عدم اكتراث الإدارة الحالية بقارة إفريقيا أصلاً، ورغم ذلك فواشنطن تحاول التشكيك في الدور الصيني في إفريقيا، على سبيل المثال بادعاء أن خطط بكين تعني في نهاية الأمر بإغراق دول إفريقيا بالديون الصينية، وأن دول إفريقيا ربما تجد صعوبة في تسديدها، مع ارتفاع حجمها، الأمر الذي يضعها أمام خيارات، في مقدمتها تسليم الصين حصص مهيمنة في أصولها الاستراتيجية، مما دفع الرئيس الصيني إلى التعهد بتقديم ٦٠ مليار دولار من دون شروط، ومنها قروض بـ ٢٠ ملياراً، وصندوقين للتنمية، وتمويل واردات تزيد عن ١٥ ملياراً، ومثلها مساعدات وقروض بدون فوائد، بالإضافة إلى إسقاط ديون عن بعض الدول الإفريقية، دون أن يسميها. الخلاصة: انتظروا الصين.. فالصينيون قادمون، وعلى الجميع أن يتعامل مع هذه الحقيقة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.