الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
11:11 ص بتوقيت الدوحة

التشخيص المعقّد من ضرورات المثقف الكبير!

111
التشخيص المعقّد من ضرورات المثقف الكبير!
التشخيص المعقّد من ضرورات المثقف الكبير!
بعض المثقفين -بل قل للدقة- بعض أشباه المثقفين، يتوهمون أن التعقيد سمة لازمة للمثقف، فلا يطرح رؤية أو تفسيراً إلا وأحاطه بتعقيد وغموض، ويظن هؤلاء أن التبسيط يصنّفهم مع العوام، الشيء الذي لا يجوز في حق المثقف الكبير.
كثير من أمور الحياة اليومية تعالج ببساطة، وتحل كثير من المشاكل بتلقائية، لكن هؤلاء يظنون مخطئين أن الحل، أو المعالجة لا تكون صحيحة إلا إذا كانت معقدة وبُذل فيها تنظير كثير، يضع لكل مسألة أساساً تتفرع منه المسألة مع غيرها من تفريعات الحياة وتشعباتها، هؤلاء يصفهم القاموس الشعبي بأنهم متفلسفون، وهو معنى يختلف عن التفسير العلمي المعروف للفلسفة.
تفشت هذه الظاهرة وأصبح لها مظاهر كثيرة حتى خشيت أن تصبح قاعدة، فيترك الناس الحلول البسيطة المبذولة، بحثاً عن حلول معقدة لا تناسب الحالة، ومن تداعياتها الخطيرة تبخيس جهود مقدرة تقوم بها جمعيات خيرية أو برامج تلفزيونية، تعمل على رفع المعاناة عن بعض الشرائح المجتمعية، فيعتبر الفلاسفة هذه الجهود مجرد مسكّنات، بل قد يتهمون القائمين عليها بأنهم سدنة للنظام الحاكم، يقصدون بهذه المسكّنات والحلول السطحية صرف الانتباه عن الحلول الجذرية التي يفترض أن تضطلع بها الدولة.
ولا تسلم منهم فرق الكرة التي يشجعها البسطاء، فقد يكون حل مشكلة أحد الفرق في تسجيل مدافع واحد، لأن ضعف الفريق في دفاعه، لكن الفلاسفة ينحون منحى آخر مختلفاً تمام الاختلاف، فيرون أن حال الفريق جزء من حال البلد، ولن ينصلح الفريق ما لم تنتظم البلاد ثورة في كل المناحي، حتى يصعد الفريق إلى منصات التتويج!!
هؤلاء جاهزون لكل حالة، تارة يبخسون ومرة يسخرون، دون أن يساهموا بأي حل آني، فهم على الدوام في انتظار حل مستقبلي شامل، وهم ليسوا على الدوام في فسطاط سياسي محدد، كثيراً ما يوجّهون اللوم للحكومة التي لا تقدّم الحلول الشاملة، وأحياناً لا يساندون المعارضة، فإذا ذكر حق المعارضين المعتقلين في الحرية، سارعوا إلى مقولة شاعرية بأن الوطن كله معتقل، فلماذا تشغلون أنفسكم ببضعة أفراد؟ وإذا شكا مواطن من غلاء الأسعار عادوا إلى لغة الأشعار قائلين، كل شيء غالٍ في هذا البلد إلا الإنسان.
هذه الظاهرة قد تكون المرحلة الأدنى من حالة الاكتفاء بالتنظير التي وصمت تنظيماتنا السياسية، فقد عُرف عن كل التنظيمات أدبيات ورؤى جيدة، إلا أنها فشلت في إعداد كوادرها للمساهمة في نشاط مجتمعي دؤوب يجسد هذا التنظير المكتوب في كتيبات جميلة وبلغة رفيعة، فيأنف عضو التنظيم عن المشاركة في حملة نظافة في الحي، أو التدريس في فصل لمحو الأمية، أو التطوع بالعمل في قافلة صحية، تدريجياً يتحول هذا الكسل إلى محاولات لتبرير التقاعس فتظهر مرحلة التفلسف التي تؤجل الحلول الآنية دائماً، حتى يجد المقصّر فرصة لتبرير تقصيره وتقاعسه.
هؤلاء «الفلاسفة» أو المتفلسفين يتفوق عليهم أي مواطن بسيط، يسارع بتلقائية إلى نجدة ملهوف، أو إماطة أذى عن الطريق.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.