الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
05:39 ص بتوقيت الدوحة

طالبان وأميركا وباكستان.. دروس وعبر

طالبان وأميركا وباكستان.. دروس وعبر
طالبان وأميركا وباكستان.. دروس وعبر
شكّل وقف واشنطن مساعداتها التي تُقدّر بـ 300 مليون دولار لإسلام آباد -بذريعة تقاعسها عن مكافحة الجماعات «الإرهابية والعنفية»- صدمة ليس لإسلام آباد فقط، وإنما لكل العواصم المتحالفة مع واشنطن، والتي قد تكون عُرضة لهذا القرار عاجلاً أم آجلاً. فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها إسلام آباد خلال 17 عاماً من التحالف والتنسيق العسكري والأمني مع واشنطن بمحاربة تنظيم القاعدة وحركة طالبان، فإن ذلك لم يشفع لها بعد كل هذا عن إعلانها مارقة ومتقاعسة في حربها على ما يُوصف بالإرهاب.
وبغضّ النظر عن وقوع إسلام آباد منذ نشأتها على خط النار الأول -إن كان في مواجهة الأحلاف الشيوعية وقائدة للأحلاف الغربية إبان الحرب الباردة، أو في المواجهة الساخنة مع الاتحاد السوفييتي خلال الجهاد الأفغاني، أو في المواجهة الأخيرة مع «الإرهاب والتطرف»- إلا أن إسلام آباد ظلت متحالفة تحالفاً عضوياً مع الغرب، وإن كانت سعت مبكراً إلى تنويع علاقاتها على استحياء عبر تحالف تقليدي متواصل مع الجارة الصين. ولعل أكثر ما ينطبق عليها في ما يتعلق بالعلاقة الأميركية-الباكستانية، هو تركيا التي قد تكون بدأت بالفعل تفكر جدياً في أن واشنطن قد تقلب لها ظهر المجنّ لاحقاً، إن لم تكن فعلت واقعاً، وذلك كما فعلت مع حليفة كباكستان كانت على الدوام خير حليف، بل وضحّت بالكثير من أوراق أمنها القومي من أجل الإبقاء على هذه العلاقة.
اليوم تركيا تعيش ظروفاً أمنية في غاية الصعوبة؛ فلا حليفة الأمس وقفت معها بقوة من أجل لجم تهديدات إقليمية ودولية تتهددها من سوريا، ولا هي تركتها تواجهها وحدها دون تهديدات منها. فالخاصرة السورية والإدلبية تحديداً اليوم أكبر خطر يهدد الأمن التركي، وبينما تتعامل واشنطن مع محافظة إدلب التي تسيطر على معظمها هيئة تحرير الشام المصنفة أميركياً إرهابية عبر مشاريع إنسانية وخدمية.
وقد واصلت واشنطن تحذيراتها وحتى تهديداتها لتركيا لتعاملها مع هيئة تحرير الشام، في حين من الواضح جداً أن الحركة أعلنت واقعاً وفكراً وعملاً تخلّيها عن القاعدة، بل واقتربت أكثر ما تكون من مكونات الجيش الحر، ولعبت دوراً مهماً ليس في تأمين الحدود التركية، وإنما في تأمين حدود تُوصف دولياً بأنها حدود لـ «الناتو». فعلى مدى سنتين من سيطرتها على إدلب، لم يقع اختراق أمني أو هجرة غير شرعية لهذه الحدود، فضلاً عن عمليات جراحية مركزة ومحسوبة لتنظيم الدواعش، الذي سعى إلى إقامة إمارة على حدود «الناتو» في حارم وسلقين، فتم القبض أو قتل المئات منهم دون ضجيج ودون تدمير أو إبادة مدن بكاملها كما حصل في الشرقية.
هيئة تحرير الشام التي تُستخدم اليوم كفزاعة وكوسيلة ضغط على تركيا والثورة السورية، لم يفلح طردها ولا حلها ولا التخلص منها في الغوطة ودرعا في الحفاظ على الأرض والثورة فيها، فكانت فصائل الجيش الحر غير مرغوبة من قبل روسيا والعصابة الطائفية ومن ورائهم المجتمع الدولي تماماً كعدم الرغبة في الهيئة، حيث سريعاً ما تخلى عنهم الجميع، فكيف يمكن أن يأمن الشعب السوري لصدق رواية العالم بأن حل هيئة تحرير الشام نفسها في إدلب والشمال المحرر سيجنّبه الهجوم البربري الهمجي المرتقب.
الكل يعلم أن القوة والشوكة العسكرية المسلحة في الشمال القادرة على صد وردّ عدوان العصابة الطائفية ومن خلفها المحتلون هي هيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى الفصائل الأخرى. وتخلي الهيئة عن المواجهة عبر الحل والذوبان يعني أن النتيجة هي درعا ومن قبلها الغوطة، وبالتالي تسليم آخر معاقل الثورة للعصابة الطائفية وسدنتها.
نحن نرى مفاوضات تجري فوق الطاولة وتحتها بين طالبان والغرب، وبين حماس والغرب، وكلها منظمات مصنفة غربياً أو أميركياً -أو كليهما- على أنها منظمات إرهابية. فالتمسك بلغات خشبية وبماضوية تقليدية أرهقت الشعوب وكلفت الإنسانية الكثير من الضحايا ومهددة بالمزيد، كل هذا آن له أن يُطلّق وبالثلاث؛ للحفاظ على ما تبقّى من قيم.. إن بقيت قيم أصلاً!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.