الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
02:52 م بتوقيت الدوحة

إلى أعزائنا الطلبة في عامهم الدراسي الجديد (2-2)

188
إلى أعزائنا الطلبة في عامهم الدراسي الجديد (2-2)
إلى أعزائنا الطلبة في عامهم الدراسي الجديد (2-2)
التعليم بمراحله المختلفة وسنواته الطويلة هو الذي يصوغ شخصية الطالب، ويصوغ من ثم هوية المجتمع ونمط حياته وتفكيره. وعليه، فلا بد من إعطاء التعليم الأهمية القصوى من الطالب نفسه ومن أسرته ومجتمعه، ومن الدولة كذلك بكل وزاراتها ومؤسساتها، وأن يشترك الجميع في صياغة الخريج أو الموظف أو المثقف الفاعل في المجتمع؛ فمخرجات التعليم لا تخص وزارة أو مؤسسة أو فئة ما دون غيرها.
إنه لمن الخطأ الفادح أن تكون الأسرة -وهي المحضن التربوي الأول- منعزلة عن المدرسة؛ فلا يطّلع الأب مثلاً على المعلومات التي تغذّي أولاده وتكوّن شخصيتهم، ومن الخطأ أيضاً أن يكون التعليم في المدرسة منفصلاً عن التعليم في الجامعة، بحيث إننا في الجامعة لا ندري ما المستوى الحقيقي الذي وصل إليه الطالب وما استعداداته الأولية، وكذلك من الخطأ أن تكون خطبة الجمعة منعزلة عن منهج التدريس في المدرسة والجامعة، وأن تغرّد وسائل الإعلام في فضاء آخر بعيداً عن الجامع والجامعة!
نعم ليس المطلوب أن تكون هذه المؤسسات نسخاً متشابهة، ولا أن تكون على نمط واحد في التوجيه أو التثقيف أو الإعداد، لكنه لا بد من الاتفاق على الثوابت المشتركة والصورة الكلية للمجتمع ومنظومته الثقافية والأخلاقية الجامعة.
الطالب هنا -وهو محور العملية التعليمية- تقع عليه مسؤولية كبيرة؛ فهو إذ يتلقى كل هذه المعلومات الهائلة والمتشابكة والمختلفة بحسب اختلاف مصادرها، لا بد أن يبني منهجه الذاتي في التلقي، وإلا سيجد نفسه حائراً مضطرباً، أو يجد نفسه مقلّداً لغيره دون وعي ودون بصيرة.
أقول لطلابي دائماً: حينما تسمعون مني معلومة، لا تسلّموا لها، بل قارنوها بما عندكم من معلومات سابقة اكتسبتموها من أستاذ آخر أو خطيب جمعة أو مقالة صحافية، ثم لا تتحرّجوا من السؤال والاعتراض، فربما أتراجع أنا، وربما يتراجع أستاذك الأسبق، وربما نكتشف معاً بالبحث والحوار أن هناك معلومة ثالثة تجمع بين المعلومتين أو ترفعهما معاً، وإن مفتاح هذا كله الطالب؛ إذ هو الذي يسمع من هذا الأستاذ ومن ذاك؛ فلو سكت لحُرمنا جميعاً من هذا الخير.
الأمر الآخر الذي يُستحسن الوقوف عنده، أن احترام التخصص مطلوب جداً، وأن واجب الطالب أن يتقن التخصص الذي اختاره، هذا صحيح. لكنك يا عزيزي الطالب أنت أولاً وأخيراً إنسان لك هويتك ولك شخصيتك، ولك انتماؤك وولاؤك، ودائرة تأثّرك وتأثيرك أوسع من محل وظيفتك، ولا يمكن لك أن تعيش حياتك كلها من خلال تخصصك فقط، أولادك سيطرحون عليك أسئلة كثيرة، لا ينفع أن تقول لهم: هذه ليست من تخصصي، ستواجه في مجتمعك الصغير والكبير مشاكل وخلافات ونقاشات مختلفة، فلا بد أن تشارك بشيء، خاصة إذا تطلّب الأمر موقفاً أو قراراً ما؛ فاحترام التخصص لا يعني أن تكون بلا هوية وبلا انتماء، ولا يعني أنك تعيش بعزلة وسلبية تجاه المجالات الأخرى.
من هنا ندرك ماذا يعني إلزام الجامعة لكل طلابها -وبكل تخصصاتهم- بالمقررات المشتركة، والتي تُسمّى «المتطلبات العامة»، هذه المقررات التي تُعدّ بمثابة الجسر واللغة المشتركة بين كل الطلاب، بل وبين المجتمع كله.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.