الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
06:17 ص بتوقيت الدوحة

معركة إدلب تعاود تعقيد الأزمة السورية

معركة إدلب تعاود تعقيد الأزمة السورية
معركة إدلب تعاود تعقيد الأزمة السورية
على مدى العامين الأخيرين نُقل الى إدلب في شمال غربي سوريا مقاتلون وسكان من مناطق شتى، استعادتها روسيا وإيران إلى النظام السوري، من حلب وحمص وحماة ودرعا والغوطة الدمشقية والقلمون. تحوّلت إدلب إلى ملاذ غير اختياري أخير في انتظار المعركة الأخيرة، وتعايش قسراً في مدنها وبلداتها خليط من الفصائل ذات الانتماءات المتناقضة، بل حتى المتنافرة، وليس بينها مشتركٌ آخر غير رفض الانصياع للنظام، وعدم الرضوخ لخدعة «المصالحات» التي سرعان ما يتبيّن أنها عنوان لمعاودة قبضة الحديد والممارسات التعسّفية، بل الانتقامية من سكان شاركت مناطقهم في الثورة على استبداد النظام، استبدادٌ يقترب سريعاً من إعادة إنتاج نفسه على قاعدة انتصاره على الشعب، ليسجّل بذلك ظاهرة غير طبيعية منافية لحركة التاريخ ولمنطق التعايش والاستقرار داخل البلد الواحد.
كان مقدّراً لـ «معركة إدلب» أن تكون نوعاً من «التصحيح» لمسار الأزمة السورية برمتها، لكنها قد تفتح فصلاً جديداً في هذه الأزمة يستحيل معه أي حل سياسي حقيقي. فالجانب الروسي يركّز بروباغندياً على وجود «هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة سابقاً» وسيطرتها في هذه المحافظة، ويعتبر أن التصنيف الإرهابي لهذه الهيئة/ الجبهة يضفي شرعية على محاربتها واستئصالها. هذه ذريعة استُخدمت دائماً لتبرير المعارك الوحشية الواسعة التي كان هدفها الحقيقي ضرب الفصائل المقاتلة ضد النظام ولا علاقة لها بـ «الإرهاب» وممارساته العبثية على النمط «الداعشي». يتّفق معظم التقديرات على أن «الهيئة» تعدّ نحو عشرين ألف مقاتل، وأن الفصائل التي توحّدت أخيراً تحت مسمى «الجبهة الوطنية للتحرير» تعد ما يقرب من مئة ألف مقاتل، وهؤلاء هم هدف المعركة لتصفيتهم، والحصول على استسلامهم، باعتبار أنهم النواة الصلبة للمعارضة المسلحة التي انبثقت من ثورة الشعب.
معلوم أن تركيا طرحت خططاً لـ «معركة» مختلفة يُصار فيها إلى تطبيع محلي داخل إدلب عبر إدارة مدنية واندماج بين الفصائل و»الهيئة» بعد أن تحلّ نفسها، ذاك أن بنيتها وارتباطها المعلن بتنظيم «القاعدة» هما مشروع قتال مفتوح وغير هادف ويناقضان أي حلّ «سلمي» تسعى إليه الأطراف الخارجية المعنية بالأزمة في سوريا. شجّعت روسيا هذا السيناريو التركي من دون أن تتخلّى عن خيارات اجتياح قوات النظام والإيرانيين لإدلب، وبطبيعة الحال كان ذلك السيناريو يتطلّب وقتاً وعملاً بطيئاً في العمق، وأبدت موسكو استعداداً للانتظار رغبة منها في مواصلة اجتذاب تركيا، وكذلك لأن أولويتها كانت لحسم الوضع في درعا وجنوب سوريا كافة، وهو ما تمّ أخيراً قبل الالتفات إلى إدلب.
الحلقة التي ظلّت دائماً مفقودة في الخطط الروسية هي ما بعد إنهاء القتال واستعادة المناطق التي خرجت عن طوع النظام. لذلك اعتبر معظم المجتمع الدولي أن لحظة إدلب هي لحظة تفعيل خريطة الطريق إلى الحل السياسي. فالإخضاع العسكري بالتدمير وتهجير السكان والمقاتلين شيء والتأسيس لحال استقرار شيء آخر. ولو كانت هناك معالم واضحة للحلّ بضمان دولي لما أثارت قضية إدلب مخاوف من موجة تهجير جديدة قد تدفع بمليوني لاجئ على الأقل نحو الحدود التركية، ولما جدّدت المخاطر مع احتمال استخدام السلاح الكيماوي بغية الإسراع في الحسم. لا شك أن الاستعجال الروسي لمعركة إدلب يعكس استياءً روسياً من عدم استجابة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للعروض التي قدّمتها موسكو لعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، لكن لعدم الاستجابة هذه أسباب معروفة، وأهمها أن موسكو لم تقدّم أية ضمانات يمكن الركون إليها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.