الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
07:05 م بتوقيت الدوحة

الفطرة وميلها نحو الأفضل

الفطرة وميلها نحو الأفضل
الفطرة وميلها نحو الأفضل
أجمل ما يمكن معرفته عن أنفسنا حول سنن الله في الكون، هو أننا خُلقنا على الفطرة السليمة السويّة، أي أننا لا نحب إلا أن نكون الأفضل دائماً، ونرغب في الأجمل، ونسعى نحو الأصوب. سيقول قائل: لكن الإنسان يرغب في الحصول على المال بأقل جهد فيسرقه، وتجد بعض النساء يعبرن عن حريّتهن بالتبرج والسفور، فكل ممنوع مرغوب، ويتجاوز حدود الله عمداً فيشرب الخمور، ويسب الذات الإلهية إن غضب أو فشل.
نرد على ذلك بقولنا: قد تجد هذا السلوك عند فئة من البشر، ولكن هذا لا يدوم، فسرعان ما يأتيه صوت الضمير والنفس اللوامة ليردعه عن الإثم، وتجد نفسه كصخرة صماء على صدره تحاسبه وتلومه بعد أن زيّنت له وأمرته بالسوء «فالإثم ما حاك في الصدر وخشيت أن يطّلع عليه الناس»، فلا يوجد أحد لا يأتيه هذا الصوت الداخلي المونولوجي، وهو يتفاوت؛ فإمّا أن يكون صوتاً رادعاً ماحقاً الرذيلة ومبدداً إياها. وإمّا أن يكون صوتاً موبخاً خافتاً تمنعه غفلته من فرض جماحها. أو يأتي صوت ثالث ليحثه على امتطاء صهوة جياد الإثم والغلو فيه. فنسأل الله العافية من النفس الأمارة بالسوء.
سأروي لكم موقفاً طريفاً عشته، يدل على جمال الفطرة وطبيعتها الأنيقة وماهيتها الرقيقة، وسعيها الدائم للأفضل، رغم جماحها المرتد.
موقف التعميم الذي أجريته في إحدى المدارس، التي عملت فيها قبل عشر سنوات، فقد جاوز السيل الزبا من كثرة الشكاوى التي تردني يومياً بسبب تذمر الطاقم التدريسي من إعداد ورقة التحضير الكتابية، فتعقد الاجتماعات الدورية ولا يتحدث الجميع إلا عنها، وكأنها مشكلة القرن العشرين.
تعجبت من الأمر إلى درجة أنني كنت أضع رجلي على عتبة باب المدرسة، فإذا الأيدي تلوح والمعلمات في نزاع مستمر، فقمت بالتوجيه والمشاركة في الإعداد لكن بلا جدوى، لذا عقدت اجتماعاً طارئاً وبشرتهم بتعميم سيفرحهم، ويطمئن بالهم فإذا بالأصوات تتهاتف على زيادة الرواتب والغمغمة بقلة عدد أيام التمدرس، حتى تم توزيع التعميم والإشعار بضرورة التوقيع عليه، فمنهن من وقع من دون أن تقرأ كعادتها ومنهن من رفضن وانصدمن، ومنهن من تساءلن. وأثيرت ضجة رهيبة في القاعة. وكان التعميم ينص على الآتي:
(يمنع إعداد خطة التحضير اليومية الخاصة بالدرس الذي يعطى يومياً للطلبة؛ لما له من آثار سلبية وإرهاق للمعلمة، وكل من تخالف هذا التعميم، سيتأثر تقييمها السنوي سلباً).
وقد أثار هذا التعميم غضب الجميع، فبدأْنَ بالثناء على خطط التحضير، وذكر الفوائد التي يجنيها المعلم والطالب، إذ بسببه يتم تنظيم سير العملية التعليمية وجودتها، والحفاظ على مؤشرات الأداء وقياسها، ولا يمكن أن يستغني عنها المعلم.
سبحان الله، هم الآن يعودون إلى الصواب، كونهم يخالفون بذلك غيرهم، هذا هو أصل الإنسان، وهذه هي الطبيعة الغراء، فهو أوّاب لما فيه الخير، ومنيب إلى رب الخير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019

مفاهيم تثاقفية

21 يوليه 2019

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019