الأربعاء 22 شوال / 26 يونيو 2019
09:26 م بتوقيت الدوحة

جدال الأولويات الذي لا ينتهي

جدال الأولويات الذي لا ينتهي
جدال الأولويات الذي لا ينتهي
لن يتفق الناس على ترتيب أولوياتهم، وسوف يظل هذا الموضوع مثيراً لجدال لا ينتهي ما دامت اهتمامات الناس مختلفة؛ لكنه شأنه شأن كل الموضوعات حمالة الأوجه، لا يستقر إلا برؤية متوازنة تمنح كل الأطراف نصيباً مقدراً حتى لا تميل الكفة لطرف دون الآخر.
من المعروف أن كل فرد أو جماعة يرتبون الأولويات من وجهة يرون منها الأشياء، وحسب القضية التي تضغط على تفكيرهم أو شعورهم أكثر من غيرها؛ لذا قد يرى أحدنا أن المحلية غير محقة في إنشاء حديقة عامة، بينما في البلد أناس يتضورون جوعاً، وقد يرى آخر أن الولاية يفترض أن تبني بجانب الحدائق العامة مزيداً من الكباري الطائرة لفك اختناقات المرور، فالمدن الحديثة ينبغي أن تتيح لساكنيها منتزهات وحدائق وميادين تجد فيها الأسر فرصاً للخروج من ضيق البيوت إلى سعة المنتزهات العامة.. وهكذا تختلف الرؤى حسب منطلق كل شخص، فيولي أحدهم الأولوية للمدارس، ويوليها آخر للمستشفيات، وثالث لملاجئ الأيتام، ورابع للمسارح. هذا الطرح يشي بالدعوة إلى «تجميد» العمل في ميدان يراه أصحاب هذه الدعوة من كماليات الحياة، والتفرغ التام لإنهاء معاناة معينة.
هذه دعوة تتعارض مع حقائق الحياة التي تؤكد أن مسيرة الإنسان تتم بخطوات متنوعة وفي مجالات متعددة، ببناء الملجأ، والمسرح، وردميات لصد السيول والفيضانات، ومشاف لتطعيم الأطفال، وحدائق عامة. وأن التركيز على شريحة دون أخرى ـولو كانت شريحة ضعيفة- يحرم شرائح أخرى من احتياجات هي من حقوقها أيضاً.
الدعوة للتركيز على حالة دون غيرها تصلح في الظروف الاستثنائية، مثل حدوث فيضان مدمر، أو أية كارثة طبيعية، حينها لن يكون مناسباً أن يفتتح والي الولاية فندقاً جديداً، أو يدشن مهرجاناً للموسيقى، أما في الظروف العادية فمن الضروري توزيع الميزانية، بما يجعل لوحة الحياة محتفظة بكل ألوانها، فلا تجمد ميزانية الثقافة من أجل النهضة الزراعية، ولا يتوقف إنشاء الحدائق لحين اكتمال بناء دور المسنين.
هذا الجدال ليس شأناً سودانياً محضاً، بل هو نقاش عالمي حيث ينعى البعض على العالم المتقدم اهتمام مجتمعاته بحقوق الحيوان وإنتاج الأطعمة الخاصة بالكلاب، بينما تهمل حاجة دول العالم الثالث للمستشفيات ومدخلات الإنتاج، بل قد يرى البعض في اكتشافات الفضاء ضرباً من العبث -على رغم أهميتها العلمية- ما دامت الأرض التي يعيش فيها الإنسان ما زالت موطناً للأمراض الفتاكة والمجاعات.
وبالمنطق ذاته، فإن الدول الكبرى لا يمكن أن تعدل أولوياتها وفق احتياجات دول أخرى، وقد ترى هذه الدول أنها قدمت الكثير من المعونات لدول عجزت عن الإنتاج، بل وتعجز أحياناً عن إيصال الإعانات إلى مستحقيها.
موضوع مثير للجدل، لكن الثابت أن الحياة حيوات، وكل فريق يراها من موقعه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.