الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
09:42 م بتوقيت الدوحة

مجلس التعاون.. الأندلس الصغيرة

مجلس التعاون.. الأندلس الصغيرة
مجلس التعاون.. الأندلس الصغيرة
قبل أن نصل إلى مدينة غرناطة عند سفح جبال سييرا نيفادا، وطوال الطريق البالغ 900 كم، كان يكفي أن تقف وتصور بأي اتجاه بدون تحديد الكادر، وبدون مهارة بالتصوير، لتحصل على لقطة يعلق مثلها في صالة منزل بأي بقعة من العالم، فتدرج لون التلال من الذهبي إلى الأخضر مرصعة ببيوت صغيرة بيضاء يتوجها قرميد أحمر، فيما زرقة السماء تظهر شدة بياض قطع السحاب؛ كلها مناظر تحيي ملكة التذوق التي غيبتها مرارة الأيام. وفي ثنايا جمال الأندلس يقفز تفسير مقنع لتجشم كهل عمرة 75 عاماً، اسمه موسى بن نصير، ليقطع على حصان مشقة سفر 3 آلاف كم، ليرى ما تم فتحه عام 711م؛ لقد كان القائد العظيم بن نصير -والذي كان بيده قرار فتح الأندلس فأرسل الجنرال الفذ طارق بن زياد- يسير في جنة الله في الأرض.
وفي تقديرنا أن نزعة الاتكال المفرط على الدروس التاريخية، هي تكريس للقوالب وحائل دون التفكير خارج الصندوق، إلا رواية الأندلس من جوانب ملتبسة. ومن ذلك ملاحظة عدم يأس الإسبان طوال ثمانية قرون من إخراج المسلمين، رغم الحضارة والرقي والنعيم الذي بناه المسلمون، فالوطن المحتل جحيم حتى يتم تحريره، فالإسبان شعب عظيم، مما يجعل لحكمنا لهم معنى نفخر به. أما الأمر الثاني فهو أن مقاومة الإسبان للمسلمين قد بدأت مبكرة، واشتدت حتى تساقطت الإمارات الإسلامية واحدة بعد الأخرى من العاصمة قرطبة إلى بلنسية ثم إشبيلية، وعليه فحكم العرب للأندلس كان خمسة قرون فقط، وتساقط قطع الدومينو قد لا يعاصره جيلان فيعتاد عليه من يخلفهم. أما أهم ما يلفت النظر فهو نموذج غرناطة، أو كما اتفق على تسميتها «الأندلس الصغيرة». فلم يبقَ سوى مملكة غرناطة التي بقيت صامدة في بحر من الكيانات المسيحية قرابة قرنين ونصف، رُغم صغر مساحتها وقلَّة سُكَّانها، حيث حافظت على قوتها وثقلها السياسي كصانعة للأحداث، ليس في العلاقات المسيحية الإسلامية، بل كانت تتدخل بين القوى المسيحية نفسها. ويرجع صُمودها لأسباب كثر، أبرزها بعدها عن يد الممالك المسيحية القوية، واتكاؤها على المغرب كعمق استراتيجي، وارتفاع جاهزية أهلها العسكرية بالتدريب والسلاح والحصون، بالإضافة إلى قوة العقيدة بضرورة البقاء التي قوّاها تصميم الهاربين إليها من سائر مُدن الأندلس على الصُمود والتضحية، والجهاد. لكن الأندلس الصغيرة سقطت في النهاية 1492. ولم ينفع غرناطة أن المسلمين في المشرق كان يُحققون النصر تلو الآخر، تحت راية سُليمان القانوني العُثمانيَّة، الذي اتفق مع أمير البحار خير الدين بربروسا «Barbarossa» لاسترجاع الأندلس، فقد اندفع الإسبان والبرتغاليون بأساطيلهم لتطويق المسلمين عبر المُحيط الهندي، ولم يحقق الأميرال الأعرج الأعور ذو اللحية الحمراء، كما تصوره السرديات الغربية، إلا حمل الهاربين من محاكم التفتيش.

بالعجمي الفصيح
مثل غرناطة كان مجلس التعاون وما زال آخر معقل من معاقل الوحدة العربية، فقد تهاوت قبله كل أشكال الوحدة التي قامت بالاستعمار والاحتلال والخلافات والربيع العربي. ومثل الأندلس الصغيرة ها هي أركان أندلسنا تهتز، وإن طال فلن ينفعنا بربروسا.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.