الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
06:32 م بتوقيت الدوحة

عواطف الناس ضمن خطط الحكومة السودانية

عواطف الناس ضمن خطط الحكومة السودانية
عواطف الناس ضمن خطط الحكومة السودانية
يألف الناس مواقع سكناهم، فيرتبطون وجدانياً بأحيائهم وقراهم، بل إن بعض الناس يحسّون بالأسف حين يفارقون منزلاً ولو رحلوا لبيت أوسع في حي أرقى، فالذكريات لا تهون والمنزل أحد مكونات الحالة النفسية للبشر، لذا بكى الشعراء على الأطلال، وحنّ المهاجرون إلى ديار كانت.
هذه الحقائق تفسّر لماذا يعيد أهل قرية بناء منازلهم التي جرّفها السيل على المجرى ذاته، رغم أن السيل قد يعيد الكرة بعد موسم أو مواسم، و قد تطلب منهم الحكومة الانتقال إلى قرية نموذجية جديدة خططتها السلطة المحلية على مكان مرتفع لا تصله السيول، وقد تلجأ السلطة إلى القوة، لكن الأهالي يرفضون بقوة مغادرة أرض تضوع منها رائحة الأجداد، ومع ذلك، إذا أغار السيل ليلاً بعد عام أو أعوام واكتسح القرية البسيطة، فلا يجوز للحكومة أن تتقاعس عن واجبها في إعانة المواطنين بدعوى أنها قد نصحتهم في المرة السابقة، ولا أن تركّز على النكبة الجديدة باعتبارها دليلاً على سداد رأي السلطة، وخطل رأي المواطنين، وكأن الحكومة تنازل مواطنيها في محكمة، وتتعدد الأمثلة التي قد لا تنسجم فيها رؤية السلطة مع رؤية المواطن، وقد تثبت الأيام صحة رؤية الحاكم، لكن كل ذلك لا يعني أن تجبر الحكومة المواطنين على خيار محدد، بدعوى أنها أدرى بما ينفع الناس بحكم إحاطتها بالأمر من جوانب علمية وموضوعية كثيرة، لذا تسوقهم إلى ما ينفعهم بنظرة الحكومة العلمية الفاحصة، ولا تتركهم عندما يروق لهم -بنظرة الأهالي السطحية الساذجة- حسب معايير السلطة.
مسؤولية السلطة في هذه المسألة الشائكة مضاعفة، إذ يفترض أن تبتدع السلطة الحاكمة الحلول، وإذا كان من حق الحكومة لوم الشعب على تقصيره، فما أسهل الحكم إذا كانت كل مسؤوليته على عاتق الشعب، ومن أوجب واجبات الحكام الذين تصدوا لهذه المسؤولية اتخاذ التدابير التي تحفظ توازن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بأن تتخذ من الإجراءات الناعمة ما يحقق أهدافها بلا مخاشنة مع المواطن، فلا تجبره على مغادرة قريته، لكن تبني القرية النموذجية وتزوّدها بكل الضروريات غير الموجودة في القرية القديمة، وتعلن عن مغريات للراحلين الأوائل، فأهل القرية -كغيرهم من البشر- تحدد مسارهم المصالح، وسوف ينتقلون تدريجياً إلى القرية الجديدة المخطّطة، بمدارسها ومركزها الصحي وناديها وسوقها وميادينها.
قد تتولد أفكار جديدة عند كل تجربة إسكان جديدة، مثل ملاحظة ضرورة تكامل الضفة، بحيث يجد مواطنو الضفة الغربية -مثلاً- كل خدماتهم الضرورية من تعليم ورعاية صحية وتسوق وترفيه في ضفتهم، وذلك بألا تكون المدرسة أو المركز الصحي أو النادي أو السوق بالبعد الذي يجبرهم على عبور النهر إلى الضفة الأخرى.
قفزت مثل هذه الآراء للواجهة في الفترة الأخيرة، بعد أن تعددت الكوارث بسبب خلافات بين السلطات والمواطنين، وبدا من تصرف الحكومة -مركزية كانت أم ولائية- أنها اكتفت بطرح رؤيتها وانتظرت المواطنين ليجنوا ثمار خياراتهم الخاطئة، لتؤكد صحة ادعائها، كما حدث في مأساة غرق المركب الذي حمل تلاميذ إلى مدرستهم في الضفة الأخرى.
قد يعترض مواطنون على بناء مصنع في منطقتهم، وقد يعترضون على تخطيط مشروع زراعي، فهل يكون دور السلطة الاكتفاء بالسخرية من هؤلاء البسطاء؟!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.