الأحد 12 شوال / 16 يونيو 2019
08:36 ص بتوقيت الدوحة

فلسفة انتقاص معاناة الفلسطينيين

فلسفة انتقاص معاناة الفلسطينيين
فلسفة انتقاص معاناة الفلسطينيين
من الرداءة أننا نشهد مزادات للانتقاص من معاناة الآخرين والتقليل منها إلا أنني لم أجد أو أقابل إلى الآن شخصاً يعيش المعاناة فعلياً، ويزدري معاناة الآخرين، ربما من يدعيها فقط هو من يفعل ذلك، إلا شخصاً تجرد من مشاعره الإنسانية كافة.
ومن الأمثلة ما شهدناه من انتقاص لمعاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال مقابل المعاناة التي يعيشها المعتقلون السياسيون وغيرهم من المظلومين في سجون دول عربية.
-على الصعيد الشخصي- ربما لم تعجبني بعض المبالغات في بعض القضايا الجزئية الضيقة والتركيز الزائد على حالة دون غيرها، لكنني لا ألوم أصحابها، فالأمر خارج عن إرادتهم، وهو خلل عام له سياقه ومبرراته التي لا أحب الخوض فيها، مع أهمية الأيقونات ودورها في عصرنا في حال أحسنّا توظيفها، وأحسنت في تمثيل قضيتها، والشريحة أو المجتمع الذي تمثله.
المعاناة تقرن ولا تقارن، وإن كان ولا بد فلتكن المقارنة عادلة تأخذ في الحسبان الأبعاد التاريخية والبدايات، وصولاً إلى النهايات، فلا يمكن تجاوز ما يزيد عن 70 عاماً من كفاح ونضال ومقاومة شعب في جميع الميادين عند الحديث عن مآل قضيته، وما تلقاه من اهتمام متفاوت إقليمياً أو عالمياً.
الأسرى الفلسطينيون هم جزء لا يتجزأ من الشعب المكافح، بل كثيراً ما كانوا طليعة الكفاح حتى من داخل السجون، قادوا وخططوا لعمليات فدائية نوعية ضد الاحتلال، وخاضوا العديد من الإضرابات الجماعية والفردية، وقاوموا السجانين الصهاينة بمختلف الوسائل، واستشهد الكثير منهم داخل السجون، حتى بات الاحتلال يحسب لهم ألف حساب، ويتأنى في التعسف معهم. الأمر ذاته يتكرر خارج السجن بصيغ أخرى، فالاحتلال يحاول تجميل صورته بإعلانه في بعض المناطق من حين إلى آخر عن تسهيلات حياتية للفلسطينيين، رغم أنها من حقوقهم وحاجياتهم الإنسانية الأساسية، تفادياً لغضبهم وانفجار الأوضاع.
يحاول الاحتلال تمرير مشاريعه التهويدية والاستيطانية بخطوات طويلة المدى وبتدرج بطيء وبطيء جدًا في بعض الأحيان، ضمن استراتيجية لتخفيف الاحتقان مع الفلسطينيين، ليضمن أكبر قدر من الاستقرار لمستوطنيه.
فعندما تصاعدت عمليات قتله وإعداماته للفلسطينيين قبل سنوات، من قبيل ما حدث مع عائلة دوابشة، وبعدها ما حدث مع الهشلمون وغيرها، اندلعت انتفاضة أو هبة السكاكين، والعمليات الفدائية الفردية والمزدوجة، وعندما تعسف في إجراءاته تجاه الأقصى في العام الماضي اندلعت هبة الأسباط.
الاحتلال غير أخلاقي، وبكل تأكيد جبان، وإن فعل شيئاً قد يستفيد منه الناس، فهو تحت تأثير الخوف من تبعات الخيارات الأخرى، وليضمن لنفسه ضرراً أقل، أو وضعاً أفضل خارجياً وداخلياً.
إذا ما استعرضنا تاريخ الاحتلال الصهيوني القريب في حروب غزة الأخيرة أو البعيد قليلاً سنة النكبة وما قبل مجزرة دير ياسين وما بعدها، سنرى الوجه الحقيقي للاحتلال، الوجه الذي لم ترصده الكاميرات ولم تدون عنه الصحف. من مجازر النكبة مجازر لم يتبقَ ليشهد عليها إلا المجرمون الذين ارتكبوها، فقد بُقر الأطفال في بطون أمهاتهم، وذبح العجز وقُتّلوا أمام عيون أبنائهم، أكثر من نصف الشعب الفلسطيني هُجّر بالبارود والنار من أرضه.
حتى الفلسطينيين الذين داخل فلسطين اليوم كثيرٌ منهم لاجئون داخل وطنهم، فعلى سبيل المثال -لا الحصر- غزة أكثر من نصف سكانها لاجئون سرق الاحتلال أراضيهم وديارهم وممتلكاتهم وهجرهم من مختلف مناطق فلسطين إلى مخيمات في غزة، ثم يأتي من يحدثك عن جمال وأخلاقيات الاحتلال والديمقراطية الوحيدة المزعومة في «الشرق الأوسط» ليشارك في الجريمة كذباً وتدليساً وتضليلاً للجماهير.
الصهاينة هم ذاتهم إنما يتنكرون من حينٍ إلى آخر، وسرعان ما تتكشف حقيقتهم أمام جرائمهم المتكررة، ليعاودوا التنكر، مراهنين على النسيان، ولكن هيهات، وحين يحاولون فعل شيء ظاهره إيجابي فهو لمد دعائم التمكين السياسية والأمنية والدبلوماسية، ولتحسين صورتهم في العالم، وليس لأجل سواد عيوننا، وليس لأنهم يصيرون أفضل مع الزمن، وإلا فليخرجوا من أرضنا وليعيدوا لنا حقوقنا، وإن كان المنتقصون غير قادرين ولا مستعدين للوقوف مع ما تعرض ويتعرض له الشعب الفلسطيني من ظلم، فمن الدناءة أن يشاركوا فيه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.