الأربعاء 18 شعبان / 24 أبريل 2019
07:07 م بتوقيت الدوحة

الخلاف التركي - الأميركي كصراع إرادات شخصية

الخلاف التركي - الأميركي كصراع إرادات شخصية
الخلاف التركي - الأميركي كصراع إرادات شخصية
ينبغي الحذر، ينبغي أقصى الحذر، فالعلاقات الدولية لا تنفك تغدو مفعمة بحساسيات من كل نوع. كل ما يتعلّق بالهوية والسيادة والاستقلالية وغيرها دخل في معترك إثبات الذات، ولا ينطبق ذلك على أمم دون أخرى، فالدول الكبرى تكاد تتقارب مع تلك الأصغر في همومها الوجدانية، وإنْ لم تكن متماثلة في القوة والإمكانات. ولعل انتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة أجّج صراع المفاهيم والقيم هذا، مصحوباً بحروب تجارية وعقوبات ترمي إلى تدمير اقتصادات الشعوب. لكن الخلاف المتصاعد بين أميركا وتركيا بات ينطوي على أبعاد دينية، وإن لم يكن هذا منطلقه الأساسي. يكفي النظر إلى السجالات الكلامية: إذ تساءل رجب طيب أردوغان هل يمكن ضرب علاقة مع حليف استراتيجي «من أجل قس؟»، أما ترمب فختم سلسلة تهديدات بالقول إن «لا تراجع ولا تنازلات» في قضية القس أندرو برانسون. اتسعت الهوّة بين الموقفين، إذ ترى أنقرة أن القضاء التركي هو الذي يبتّ في الاتهامات الموجهة إلى برانسون، فيما تعتبر واشنطن أن المسألة سياسية وتُحلّ بقرار سياسي.
عندما يقول ترمب إنه لن يتراجع فهو يخاطب أنقرة، لكنه يتوجّه أولاً إلى الإنجيليين، ليس فقط لأن القس برانسون ينتمي إليهم، بل أيضاً لأنهم خزّان أصوات يحتاج إليها لدعم المرشّحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل. وبالتالي فهو لا يستطيع أن يسجّل فشلاً قبل هذا الموعد. لكن كيف ينجح إذا كانت مقاربته للقضية بدأت خاطئة ومتجاهلة وجود خلافات مهمّة عالقة مع تركيا، وأبرزها ملف الداعية فتح الله غولن الذي تعدّه أنقرة مهندس المحاولة الانقلابية منتصف يوليو 2016، وكذلك تسليح الأكراد في سوريا، بمن فيهم حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً. طلب ترمب إطلاق القس بأوامر فوقية عاجلة، ثم راح يفرض العقوبات ويهدّد بالمزيد، فيما قرر أردوغان التعامل بالمثل: عقوبات مقابل عقوبات، وتحدّيات مقابل تهديدات.
كل ذلك قاد القضية إلى انسداد، وشكّل تفجّرها مؤشّراً لنهاية بعض ملابسات تشبه عمليات احتجاز الرهائن والتفاوض لتبادلهم، إذ تبيّن أن توقيف هاكان آتيلا نائب مدير «خلق بنك» التركي في واشنطن بذريعة انتهاك مصرفه العقوبات على إيران، ثم توقيف الناشطة التركية إيبرز أوزكان في إسرائيل للاشتباه بتعاونها مع حركة «حماس»، كانا لأسباب مختلقة ويرميان إلى تحريك الاتصالات في شأن القس برانسون الذي يُحاكم بسبب علاقة موثّقة مع جماعة غولن وحزب العمال الكردستاني، ولم تغيّر صفته الدينية شيئاً بالنسبة إلى تركيا. أما ارتباط ترمب بالإنجيليين فجعله يطلب من إسرائيل الإفراج عن الناشطة المحتجزة، كما أنه عرض إطلاق المصرفي المحتجز، ولم تستجب أنقرة لـ «صفقة تبادل» كهذه، سواء لأنها تقلّل من شأن القضاء التركي، أو لأن واشنطن تتهرّب من أي بحث إيجابي في ملف غولن.
من النادر أن يتحوّل خلافٌ بين «حليفَين» إلى صراع إرادات شخصية، ليس فقط لأن هذا يعقّد البحث عن حلول، بل الأهم لأنه يفاقم الخلفيات العقائدية أو الأيديولوجية التي يتمسّك بها كل طرف أو يستند إليها.
ومن الواضح في حال برانسون أن تركيا ليست معنية بكونه قسّاً إنجيلياً، وإنما بقيامه بنشاط سياسي، معتقداً أن صفته الدينية يمكن أن تغطّيه. ولو أن واشنطن أرادت فعلاً إطلاقه سريعاً لما اعتمدت أساليب ترمب وتحدّياته، فثمّة مبادرات سياسية كان ولا يزال ممكناً اتّباعها لتحقيق أهداف الطرفين، من دون إقحام بلوغ وضعية صعبة مثل: إرادة مَن تنتصر في النهاية، ترمب أم أردوغان؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.