الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
03:32 م بتوقيت الدوحة

عولمة تحمل سمات صينية (2-2)

عولمة تحمل سمات صينية (2-2)
عولمة تحمل سمات صينية (2-2)
وما يوضح نفوذ الصين في هذا السياق، أن بنك الصين للتنمية وبنك الصين الصناعي والتجاري الذي تديره الدولة، قدّما 900 مليون دولار في هيئة مساعدات طوارئ لباكستان، مما ساعد حكومة باكستان في تجنب -أو على الأقل تأخير- اللجوء إلى صندوق النقد الدولي. خاصة بعدما وضعت الحكومة الصينية ترتيبات مؤسسية أخرى، تتمحور حول آفاق الصين لتكميل استراتيجيتها التجارية، وقد بدأت هذه العملية بالفعل، حيث أنشأت السلطات الصينية البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية، برئاسة جين لي تشون، كبديل إقليمي للبنك الدولي، كما قدّم بنك الشعب الصيني 500 مليار دولار من خطوط المقايضة المتاحة لأكثر من 30 بنكاً مركزياً، متحدياً دور صندوق النقد الدولي.
وسوف يكون النظام الدولي الذي تشكّله الصين أيضاً، أقل التفاتاً إلى حقوق الملكية الفكرية، ورغم أن المرء يستطيع أن يتصوّر تغير موقف حكومة الصين مع تحول البلاد إلى مطوّر للتكنولوجيا الجديدة، فإن قدسية الملكية الخاصة كانت دوماً محدودة في النظام الاشتراكي الذي تتبناه دولة الصين، ومن ثمّ فإن سبل حماية الملكية الفكرية من المرجّح أن تكون أضعف من نظيراتها في ظل نظام دولي تقوده الولايات المتحدة.
تسعى حكومة الصين إلى تشكيل اقتصادها من خلال إعانات الدعم والتوجيهات المقدّمة للشركات والمؤسسات المملوكة للدولة وغيرها، والواقع أن خطتها بعنوان «صُنع في الصين 2025» للترويج لقدرات البلاد في مجال التكنولوجيا الفائقة، ليست سوى أحدث تجسيد لهذا النهج، وتفرض منظمة التجارة العالمية قواعد تهدف إلى الحد من إعانات الدعم، ومن المؤكد أن النظام التجاري الذي تتولى الصين تشكيله سوف يعمل -في أقل تقدير- على التخفيف من هذه القيود.
كما سيكون النظام الدولي الذي تقوده الصين أقل انفتاحاً على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ففي عام 2017، كانت مرتبة الصين تالية فقط للفلبين، والمملكة العربية السعودية، وإندونيسيا بين الدول الأكثر من الستين، والتي تصنّفها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وفقاً لمدى تقييدها لأنظمة الاستثمار الأجنبي المباشر المتجهة إلى الداخل.
الواقع أن هذه القيود تُعد أداة أخرى مصممة لإعطاء الشركات الصينية الحيز اللازم لتطوير قدراتها التكنولوجية، ومن المفترض أن الحكومة ستفضّل النظام الذي يسمح لدول أخرى باستخدام مثل هذه السياسات، وفي مثل هذا العالم، ستواجه الشركات الأميركية متعددة الجنسيات الساعية إلى العمل في الخارج عقبات جديدة.
وأخيراً، تواصل الصين ممارسة رقابة مشددة على نظامها المالي، فضلاً عن الإبقاء على القيود المفروضة على تدفقات رأس المال إلى الداخل والخارج، ورغم أن صندوق النقد الدولي أظهر مؤخراً قدراً أكبر من التعاطف مع مثل هذه الضوابط، فإن النظام الدولي الذي تقوده الصين سيكون أكثر تساهلاً مع استخدامها، وسوف تكون النتيجة إنشاء حواجز إضافية أمام المؤسسات المالية الأميركية التي تسعى إلى القيام بأعمال على المستوى الدولي.
باختصار، برغم أن الاقتصاد العالمي بقيادة الصين سوف يظل مفتوحاً أمام التجارة، فإنه سيكون أقل احتراماً للملكية الفكرية الأميركية، وأقل تقبلاً للاستثمار الأميركي المباشر، وأقل استيعاباً للمصدّرين الأميركيين والشركات متعددة الجنسيات، التي تسعى إلى تمهيد أرض الملعب لتحقيق مبدأ التكافؤ. وهذا عكس ما تقول إدارة ترمب إنها تريد تحقيقه، لكنه النظام الذي من المرجّح أن تتسبب السياسات التي تنتهجها الإدارة ذاتها في توليده.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا