الخميس 12 شعبان / 18 أبريل 2019
07:52 م بتوقيت الدوحة

أرزةٌ من لبنان

سحر ناصر

الخميس، 23 أغسطس 2018
أرزةٌ من لبنان
أرزةٌ من لبنان
«آمادا» تبلغ من العمر 100 عام، معمّرة لبنانية جميلة، عيناها زرقاوان صافيتان كمياهِ البحر الأبيض المتوسط، جُلّ ما تتمناه أن تختتم القرن الذي عاشته بعمل صالح، وألا تُصاب بأي مرض غير الزهايمر الذي يزورها أحياناً وتتغلب عليه بحبّة واحدة في اليوم وبعض من حبّات الفيتامين. رائعة في ابتسامتها، وفي عفويتها، وفي حبّها لمن حولها. حلّت ضيفة على أحد البرامج التلفزيونية اللبنانية، وبضحكة خجولة أخبرت الجميع أن عمرها 100 عام، وأنها لم تستخدم أي نمط حياة مميز ساهم في إطالة عمرها، بل كانت إجابتها: «لا أريد أن أعيش أكثر من 100 عام، هذه إرادة الله.. لكن ما أرغب به حقاً هو أن يختار الله لي ميتة صالحة وأن أرى الناس سعيدة».
هي معمّرة لم تتبع نظاماً غذائياً صحياً معيّناً، بل أفصحت أنها تأكل ما تحب، وتبتعد عمّا لا تحب..
بيت القصيد هنا لا يكمن في الأسباب العلمية، الجينية، أو الغيبية، التي جعلت من آمادا معمّرة «مهضومة»، تابعها الملايين عبر «يوتيوب»؛ وإنما في النصيحة المؤثرة التي وجهتها إلى الشباب والشابات في لبنان، عندما سئُلت عن حكمة واحدة تختزل 100 عام من العُمر، ففاجأت الإعلامي المحاور والحضور والمشاهدين بالقول: «الحكمة التي أنقلها لكم بعد 100 عام، هي: أحبّوا وطنكم.. أحبّوا لبنان.. هذه هي نصيحتي لكم بعد مرور 100 عام على ميلادي».
ما عبّرت عنه «آمادا» أثار الحزن في نفسي بقدر ما أثار الفرحة بأني أنتمي إلى هذا الوطن الذي تنتمي إليه هذه الملهمة، كما كشفت نصيحتها عن العتب الذي أخفيه في قلبي على بلدي.. فهي لم تنصح أبناء وطنها بأكل التين والزيتون لإطالة عمرهم، ولم تسدِ لهم نصائح الزواج والطلاق والسفر والصلاة والهجرة، وغيرها من النصائح التي يسعى إليها كلّ منا في جلساته مع كبار السنّ، وإنما اختزلت حياتها كلّها في مقولة واحدة «أحبّوا وطنكم».. ربّما لأن الوطن يختزل العمر بما فيه من مشاعر وانفعالات ومعاناة وتحديات، وربّما لأنه المكان الذي يمنحنا الهوية في شكل الوجه والملامح وفي اللغة والتكوين والشخصية.. ربّما لأننا مجبولين من ترابه؛ فعندما نعود إليه بعد سنوات نُزهر وكأننا نبتة أو زهرة أعيدت إلى تربتها، فتنفست منها الأوكسجين الذي يبقها على قيد الحياة ويعطيها القوّة من أجل البقاء.
هذه المعجزة انتزعت من عيني دمعة الحنين إلى شوارع بيروت، وإلى أرز الجبل، الذي لم أره منذ أكثر من 15 عاماً، حيث تجولنا بين ربوعه في رحلة مدرسية.. لا شيء يمنعني من العودة إلى وطني سوى الخوف على ما تبقّى من ذاكرة جميلة أحتفظ بها داخل روحي، خوفاً من أن تسرقها صور طفل لبناني مريض يحتاج إلى عملية عاجلة يسأل المتبرعين على وسائل التواصل الاجتماعي مساعدته، بعدما عجز القيمون عن ذلك في وطني، وخوفاً من أن تشوّهها صورة خريج جامعة يتذلل على أبواب السفارات ليحصل على تأشيرة هجرة من أجل لقمة كريمة.
«آمادا».. أتمنى من رئيس الجمهورية اللبنانية أن يمنحك وسام الأرز الوطني؛ لأنك اختزلتِ 100 عام من الحب والحياة والفرح والشقاء في دقيقة واحدة، وأحييتِ جرحاً يتجدد في كل عيد على وقع قصيدة الشاعر العراقي عبد الكريم العراقي، الذي قال في الغربة: «أوّن ونّة غريب الأهل والدار ... وأوّن ونّة جريح في وسط غابة»!
ما قصدت في الغربة أني في بلد غريب ... وإنما في اشتياق الروح لأرز لبنان.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.