الثلاثاء 15 صفر / 15 أكتوبر 2019
09:18 ص بتوقيت الدوحة

تركيا وأميركا.. نحو مواجهة طويلة ومؤلمة

تركيا وأميركا.. نحو مواجهة طويلة ومؤلمة
تركيا وأميركا.. نحو مواجهة طويلة ومؤلمة
الضحية الأولى للحرب التجارية التي أعلنها دونالد ترمب على العالم، أم التحدي الأول لسياسة العنت والتهور التي ينهجها هذا الرئيس الأميركي؟ وجدت تركيا نفسها في مواجهة لم تردها مع الدولة العظمى، التي كانت حتى قبل بضعة أعوام حليفها الدولي الأبرز. ورغم أن حاجة كل من الدولتين إلى الأخرى لا تزال قائمة، وأن من أولى مقومات التحالف أو الشراكة عدم إساءة أي من الشريكين إلى الآخر، فإن «الأخ الأكبر» الأميركي أثبت أنه لم يعد معتدّاً بهذه التسمية الشائعة عنه، بل يتماثل أكثر مع نسخة جورج أورويل لـ «الأخ الأكبر»، المستبد الشمولي. ذاك أن عدوانيته لا تقتصر على تركيا، بل تنسحب على الحلفاء الأوروبيين والجيران الأميركيين ومن يعتبرون أنفسهم أصدقاء من عرب وغيرهم. واللافت أنه لا يستثني سوى إسرائيل من «بنك الأهداف» التي يصوّب عليها.
ومع أن أي دولة عاقلة لا تسمح لنفسها بمقارعة أميركا، فإن ترمب لم يترك لرجب طيب أردوغان أي خيار آخر غير المواجهة، خصوصاً أن لائحة الخلافات مع الإدارتين الأخيرتين -وبعض منها بالغ الخطورة- راحت تطول وتتوسع؛ من خذلان أنقرة أميركياً وأطلسياً في المسألة السورية وتركها وحدها بعد دفعها إلى سيناريو المواجهة مع نظام بشار الأسد وحلفائه الإيرانيين ثم الروس بعد تدخّلهم المباشر، إلى اتهامها بدعم الإرهاب في بداية انتشار تنظيم «الدولة» ومن ثم وضع شروط على مشاركتها في محاربة الإرهاب، إلى افتعال العقبات أمام مد نفوذها شمالي سوريا، مروراً بتسليح للأكراد يشمل حزب العمال الكردستاني المصنف أميركياً كمنظمة إرهابية فضلاً عن السكوت على عملياته الدموية داخل تركيا، وصولاً إلى الضربة الأهم التي تمثلت في المحاولة الانقلابية منتصف يوليو 2016. ومع ذلك، اعتبرت أنقرة أن منطق التحالف سيتغلب في النهاية وأنه كفيل بحل الاشكالات مهما تعقدت.
في كل المحطات الصعبة ومع كل محاولة لتفكيك الخلافات، كانت تركيا تُضطر إلى تحذير الأميركيين بأن «شراكتنا في خطر»؛ كي تستحثهم على تليين مواقفهم. كان بإمكان الولايات المتحدة -لو أرادت إثبات حسن النية والحرص على «الشراكة»- أن تطمئن أنقرة بشأن هواجسها، لكنها لم تفعل. بذلت تركيا جهداً خارقاً لانتزاع إقرار أميركي بوقف تسليح الأكراد، ومع ذلك بقي الأمر عائماً ولم تتعامل واشنطن بمنحى استراتيجي مع الخطر الكردي على وحدة تركيا واستقرارها. وحين باشرت أنقرة تطبيع علاقتها مع موسكو -بعد أزمة قاسية عقبت إسقاط طائرة «السوخوي 24»- راحت واشنطن تبدي ارتياباً من تقارب الدولتين، لكنها في الوقت نفسه لم تهتم بتبديد شكوك أنقرة بالنسبة إلى تورّط أميركي في المحاولة الانقلابية، والأسوأ أن إصرارها الفظّ على إطلاق القس الإنجيلي أندرو برانسون لم تقابله أي إيجابية في التعامل مع ملف الاتهامات التركية للداعية فتح الله غولن، رغم أن القضيتين مرتبطتان.
لم يكن أردوغان يرتجل حين تحدّث -بعد تفجّر الأزمة أخيراً- عن حلفاء جدد وشراكات جديدة وأسواق جديدة. لعله -وهو الذي يعاين تراجع العلاقة مع أميركا منذ أعوام- لم يُفاجأ بالضغوط على العملة التركية المستمرة منذ شهور، ولا بمضاعفة الرسوم الجمركية على الصادرات التركية، ولا بالمماطلة في الصفقات العسكرية، بل استشعرها كرسائل أميركية متعمّدة للضغط عليه من أجل تغيير سياساته. لذلك، بادر إلى التلويح بالبدائل؛ ففي حال كهذه لا يمكنه الرضوخ، حتى مع يقينه بأن المواجهة ستكون طويلة ومؤلمة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.