الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
04:11 ص بتوقيت الدوحة

ما وراء معركة الليرة التركية

199
ما وراء معركة الليرة التركية
ما وراء معركة الليرة التركية
نحن نتفهم أن الليرة التركية قد بدأت رحلة الانخفاض التدريجي منذ 2011، ولأسباب اقتصادية بحتة يمكن معالجتها، ولكن ما لا نفهمه هو الانخفاض المفاجئ والسريع جداً للعملة التركية، مع غياب وجود طارئ اقتصادي كبيانات جديدة سلبية أو أحداث مهمة جداً، وهنا بالتحديد تسقط حجة من يبرر أن الاقتصاد فقط وراء انخفاض الليرة الأخير، ويتجاهل العوامل السياسية المستجدة وهي التصريحات العدائية الأميركية ضد تركيا، بالإضافة إلى المضاربة العنيفة على الليرة التركية بهدف خفض قيمتها.
يبدو أن السبب الرئيسي للسياسات الانفعالية الأميركية الأخيرة هو أن تركيا الأردوغانية لا تناسب أميركا ولا بعض حلفائها في المنطقة، وكان لا بد من تغيير الأوضاع فيها، لم تنفع المحاولة الانقلابية ولا الانتخاب المبكر في تغيير حزب العدالة والتنمية أو زعيمه أردوغان، إذاً لا بد من تغيير تلك السياسات التركية بالقوة «السياسية أو الاقتصادية»، فكان افتعال أزمة القس الأميركي آندرو برونسون المتهم بالتواطؤ في المحاولة الانقلابية العسكرية الفاشلة في تركيا 15 يوليو 2016، للبدء بحرب اقتصادية ربما لن تقلّ ضراوة عن الحرب الأميركية الاقتصادية ضد إيران، وبالمناسبة القس برونسون ليس هو الأميركي الوحيد المتهم بذلك، بل هناك موظفان بالقنصلية الأميركية في اسطنبول ورجل أعمال كذلك.
ولكن تعمدت إدارة ترمب استخدام قضية القس في الحملة الإعلامية ضد تركيا، في محاولة لكسب التعاطف معه، وبالتالي تبرير الموقف الأميركي المتشدّد، بالرغم أن القس والمتهمين الآخرين يتمتعون بالضمانات القانونية كافة لمحاكمتهم محاكمة عادلة وشفافة من قبل القضاء المدني التركي.
ما يهمنا في هذه القضية -كعرب ومسلمين- هو ما يعانيه المواطن التركي البسيط جراء هذه الحرب الاقتصادية التي لا تقل دموية عن الحرب التقليدية، بل حتى من ناحية استراتيجية، يجب ألا نقبل بتخريب الجوار العربي «تركيا»، وتحوّلها من أيدي العقلاء والأقرب إلينا، إلى أيدي العلمانيين المتطرفين الذين وقفوا ضد قضايانا العربية أو في أحسن الأحوال التزموا الحياد، وهذا مبني على متابعة تاريخية للسياسة التركية تجاه الشرق الأوسط وقضاياه، فمنذ بداية الجمهورية 1923، وحتى الوقت الحاضر، لم تكن هناك سياسة إيجابية أو انخراط مباشر في الأوضاع العربية، كما هو في عهد حكومات العدالة والتنمية وسياساته الإيجابية تجاه القضية الفلسطينية أو الحرب الأهلية في سوريا ومجابهة داعش، أو إفشال محاولات الأكراد الانشقاقية، التي ستمزّق ما بقي من العراق وسوريا، وتستهدف استقرار تركيا.
ختاماً، لا أحد يجرؤ أن يقول: «لا» لأميركا -وإن كانت على خطأ- وإلا اتهمته بالإرهاب أو الديكتاتورية، ولكن مع أردوغان المنتخب لا يمكن فعل ذلك، فكانت الحرب الاقتصادية التي تتنافى حتى مع الفكر الأميركي الليبرالي، والمنادي دائماً بالحرية السياسية والاقتصادية، ورفع القيود عن التجارة الدولية لتكون مُعولمة لا عائق أمامها، إذاً السياسة الأميركية -في عهد ترمب بالتحديد- هي انقلاب على القيم الأميركية، قبل أن تكون انقلاباً على حلفاء أميركا منذ الحرب الباردة، من الذين كانوا سداً منيعاً ضد طموحات السوفييت في منطقة شرق أوروبا والشرق الأوسط، وأعني الجمهورية التركية.
الخلاصة: ترمب انقلب على كل التراث الفكري الأميركي، كحرية التجارة ودعم حلفاء أميركا من الأنظمة الديمقراطية، مما أثار مخاوف العديد من حلفاء أميركا، والذين سيفكرون بالتحول شرقاً لجهة روسيا والصين، مما سيتسبب مستقبلاً في خسارة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة الأميركية، إذا لم يتدخل عقلاء الكونجرس لوقف عبث ترمب.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.