السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
02:19 م بتوقيت الدوحة

الالتزام الأجوف

الالتزام الأجوف
الالتزام الأجوف
الالتزام كلمة لها وقع في النفس ودويّ في الأذن، بل كل أمر في حياتنا فيه التزام دون حتى وإن لم نشعر فيه بصفة الإلزامية، أو ربما ننهجها على نحو دقيق تلقائياً.
فلو أردنا قيادة السيارة، فنحن نلتزم بعلم القيادة، وقوانين المرور، ونلتزم أيضاً بقوانين العمل، ونلتزم بواجبات الأسرة وتلبية حاجاتها، ونلتزم برعاية أنفسنا وتحقيق رغباتها، ونلتزم بتناول الطعام بلا إفراط أو تفريط. كل هذا من باب الالتزام، وبما يكفل لنا العيش الرغيد، والاستقرار النفسي، والجسدي، والاجتماعي. وفي المقابل، يؤدي عدم التزامنا في أي منها إلى مخالفات وتجاوزات وقصور، وفي الحصيلة خسائر فادحة.
هناك نوع من الالتزام أود الإشارة إليه، بل وتسليط الضوء الحارق عليه، ألا وهو الالتزام الأجوف: وهو مرض في السلوك، وقد اخترت لفظ مرض؛ لأنه فعلاً مرض خطير يصيب المرء فيفتك به، إن لم يتدارك نفسه، وهو يعني أن ترى ظاهر الشخص التزاماً، وباطنه غير ذلك. فتراه يقصر في العبادة أياً كان نوعها، سواء بترك الفرائض أو أدائها على كسل، أو ترك النوافل أو كثير منها. أو يوحي مظهره الخارجي بالتزامه، فإذا اقتربت منه، وعايشته، وجدته فارغاً دينياً وسلوكياً.
تراه وقد لبس ثوب الوقار، ويبهرنا بحديثٍ لا يأتي به إلا خاصة الناس، ويعجبك قوله؛ كونك إنساناً عادياً بسيطاً، ولست في سموه وعلو قيمه ومبادئه
ولكن وا أسفاه! هو لا يمثل نفسه الحقيقية، ولا يمثل طبيعته الواقعية، بل يتقمص شخصية، مظهرها لائق ورفيع، ولكنها، أساساً، فاسقة ووضيعة.
هنا مربط الفرس، لِمَ لا تكون شخصاً طبيعياً، لم لا تخفي قصورك وسوء أفعالك بصمت وخلوة بينك وبين ظلك؟ لِمَ تجمّل سوء مخبرك بثوب التدين والالتزام الأجوف؟
الالتزام اليوم عند (البعض) وأركز في كلمة (البعض) حتى لا أعمِّم، الأمر صار حكاية يندى لها الجبين، بسبب نفر من الملتزمين الذين شوّهوا لب الالتزام الراقي، وحولوه إلى قشرة متماسكة من الخارج، مجوّفة من الداخل.
يا ليت شعري كيف رضوا لأنفسهم الخديعة والبهتان؟ كيف يعيشون حياتهم في غش؟ أشعر بخوف عليهم مما سيلقونه في الدنيا قبل الآخرة، هذا الخوف من موقفهم مع أنفسهم، عندما يعيشون عالماً من القيم والأخلاق الحسنة، والعلم والتفاهم والتشاور وعمل الخير والسعي في أمور الناس وقضاء حاجاتهم، وهم أصلاً أناس -من شدة الشر الذي يعصف بهم، ومن شدة السوء الذي يعتصرهم ومن اسوداد الحقد الذي ينتابهم- مجوفون.
لعمري، إن ما يميز الإنسان عن الحيوان، عقله وفكره، ولكن ليس كل ذي فكر يمكن أن نصنفه ضمن البشر، فمن أرشده فكره إلى الصواب، والحق والحقيقة، فهو من بني البشر، أما من قاده فكره إلى التحايل على فطرته وسجيته التي خلقه الله عليها، ومن ثمّ سخر فكره للتحايل على ما شرعه الله من قوانين وتشريعات وسار في الناس مخادعاً كاذباً، فهو كالأنعام بل أضل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019

أسواق العرب

30 يونيو 2019

الأرواح

23 يونيو 2019

عيوبٌ حميدةٌ

16 يونيو 2019

حين ترهق الأفكار

09 يونيو 2019