الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
10:32 ص بتوقيت الدوحة

عندما يتخثر الرئيس

عندما يتخثر الرئيس
عندما يتخثر الرئيس
يربط الإنسان بين سلوكه الاجتماعي والسياسي وبين ملاحظاته عن الظواهر الطبيعية حوله، فتنشأ تشبيهات مستوحاة من علوم الطبيعة لشرح معاني غير ملموسة، فتكاد المعاني تتحول إلى صور مرئية.. وهكذا يصبح حراك الجماهير (تفاعلاً) مستوحى من الكيمياء. ويلاحظ بسهولة أن الدعوات السياسية للإسراع بملء الفراغ السياسي ذات صلة قوية بنظرية فيزيائية معروفة، أما رائحة الفساد السياسي التي تزكم الأنوف فهي مستعارة من تحلل مواد عضوية فاسدة، كما يعرف طلاب علم الأحياء.
بحثت في هذه العلوم عما أصف به حالة طول بقاء الرئيس على كرسي الحكم وما يترتب عليه، فوجدت أن أدق وصف للحالة هو التخثر. فإذا تخثر اللبن –مثلاً- فإنه يفسد في غالب الأحوال، وفي أفضل الأحوال يصبح حامضاً لا يستساغ. وقد أيقنت بدقة التشبيه عندما برز لي بوضوح مثالان جسّدا طول البقاء الضار، هما الرئيس التونسي الراحل بورقيبة، ورئيس زيمبابوي السابق موغابي.
يشترك الرجلان في تاريخ نضالي مشرف، حيث قاد بورقيبة حركة التحرر الوطني في بلده حتى أصبح بطل الاستقلال في تونس، لكنه أطال البقاء في الرئاسة حتى تخثر، بعد أن طالته أمراض الديكتاتورية، فلم يعد يرى إلا نفسه، ولا يطيق كلمة نقد واحدة، ويطرب لعبارات المدح والتمجيد التي يجيدها منافقون منتفعون يلتفون حول أي ديكتاتور. واستمرأ المجاهد الأكبر الحالة حتى نص الدستور صراحة على بورقيبة بالاسم رئيساً مدى الحياة.. هكذا كانت تقول الأوراق الرسمية، لكن الحقيقة كانت مختلفة، فقد تحول بطل الاستقلال إلى رئيس ممل، وكاد في أخريات أيامه أن يصبح أضحوكة.
أما المثال الآخر، الذي تحول لأضحوكة حقيقية فهو رئيس زيمبابوي السابق موغابي، الذي كان هو الآخر صاحب مسيرة مشرفة في النضال من أجل تحرير وطنه، لكنه أطال البقاء، فكره شعب زيمبابوي بطل الاستقلال، الذي تحول إلى مهرج.. وظل يهرج حتى سقط في خاتمة شوهت ماضيه المشرق في النضال.
إذا لم يشفع التاريخ الوطني الناصع لأصحابه، فسرى عليهم قانون التخثر، فلا ينتظر أن يسلم رؤساء بلا سيرة تسبق مجيئهم للرئاسة، ثم أطالوا البقاء على كرسي الحكم الذي جلسوا عليه بعد انقلاب عسكري.. من هؤلاء الرئيس عمر البشير الذي بقي في الحكم قرابة الثلاثين عاماً، وينوي الترشح لدورة جديدة ليكمل ثلاثة عقود ونصف. فلماذا لا يعتبر بتجارب قريبة زمانياً وجغرافياً، وما هو المشروع التي عجز عن إتمامه طيلة العقود الماضية، وسوف ينجزه في خمس سنوات؟
إن أسوأ التبريرات التي يسوقها أهل النفاق السياسي، لتمكين رئيس طال بقاؤه في الحكم، هي أن الرئيس يمثل الضمانة الوحيدة لاستقرار الوطن والحفاظ على أمنه. وما دروا أن هذا التبرير أوضح دليل على الفشل السياسي، حيث اقترن مصير الوطن بوجود شخص بعينه، وغابت المؤسسات، وانعدمت الجماعية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.