الإثنين 13 شوال / 17 يونيو 2019
07:42 ص بتوقيت الدوحة

المعركة الحقيقية

المعركة الحقيقية
المعركة الحقيقية
لا أدري سر التشفي من وسائل الإعلام والنخب المصرية، للأزمة الحالية بين أميركا وتركيا، التي وصلت إلى مرحلة متقدمة. ولا أعرف سبباً للسعادة الغامرة، التي انتابت جهات عديدة في مصر من هذا التدهور في سعر الليرة التركية، التي كانت أحد مظاهر تلك الأزمة وتوابعها ونتائجها الأبرز. صحيح أن هناك خلافاً أساسياً بين البلدين منذ أكثر من خمس سنوات. نتيجة اختلاف السياسات والتوجهات والقناعات، صحيح أيضاً أن هناك اتهامات لم تثبت، بدعم تركيا للإرهاب في مصر، نتيجة استضافتها أعداداً من المصريين، خرجوا خوفاً على حياتهم ومن الاعتقال، وأن تركيا وفقاً للرؤية المصرية، تستضيف قنوات فضائية، تطرح وجهة نظر مخالفة للوضع في مصر.
فتركيا -كما قال الرئيس رجب طيب أردوغان- تواجه مؤامرة حقيقية، كما "أن التأثير على سعر صرف الليرة، عملية سياسية هدفها استسلام تركيا في جميع المجالات من المالية وصولاً للسياسية" إذا نحن أمام أزمة واضحة المعالم، ولا يمكن إنكارها، دولة كبرى تحاول تركيع دولة أخرى إقليمية، لها رؤى وتوجهات مخالفة، وجدت من رفع أسعار الجمارك على وارداتها من الحديد من تركيا، إحدى أدوات محاولة التأثير السياسي على القرار المستقل لدولة أخرى، والأمر هنا لا يتوقف عند ذلك الحد، فهناك تباين في وجهات النظر تسبب في أزمات منذ فترة ليست قصيرة حول ملفات مختلفة، منها التقارب التركي الروسي، وكانت أبرز مؤشرات هذا التقارب توقيع البلدين صفقة توريد منظومة صواريخ الدفاع الجوي الروسية والمعروفة بـ"أس ٤٠٠" إلى تركيا، في ديسمبر من العام الماضي، ومنها القرار الأميركي في مايو ٢٠١٧بتسليح وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، حيث تعتبره امتدادًا لحزب العمال الكردستاني، والمصنف في تركيا منظمة إرهابية.
وفِي سبتمبر من العام الماضي، اندلعت أزمة أخرى بين الجانبين، إثر صدور حكم قضائي تركي على موظف بالقنصلية الأميركية في أنقرة، بعد اتهامه بالتجسس والتعاون مع جماعة "جولن"، وقد تلت الواقعة تصعيدات غير مسبوقة، بدأت بإصدار الولايات المتحدة قرارًا في أكتوبر الماضي، بتعليق جميع خدمات التأشيرات في مقر السفارة الأميركية وجميع القنصليات في تركيا، والأزمة الأخيرة التي تتعلق بطلب واشنطن الإفراج عن القس الأميركي برونسون والذي أُلقي القبض عليه قبل أكثر من عامين، بتهمة الارتباط بحزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله جولن.
وإذا دخلنا في جانب المقارنات، ومن نظرة محايدة على الجانب المصري، نكتشف أننا أمام ثلاث ملاحظات الأولى، تتعلق بأننا في مصر، وفِي سبيل البحث عن بطولات زائفة يتم الترويج في الإعلام عن مواجهات مصرية وهمية مع واشنطن لتآمرها المزعوم على مصر، ولنتذكر سوياً قصة محاولة الغزو المزعوم للبحرية الأميركية لمصر يوم ٣٠ يونيه ٢٠١٣، بينما الواقع يقول إن العلاقات على أفضل ما يكون بين الإدارتين، القاهرة شعرت بأزمة عندما قررت واشنطن تجميد ١٩٤ مليون دولار من المعونة الأميركية، واعتبرت استعادتها نصراً مؤزراً. الملاحظة الثانية أن أحد أسباب الأزمة مع تركيا حكاية الإفراج عن القس الأميركي، بينما مصر قامت بعد ضغوط أميركية، بتسليم متهمين بطلب من واشنطن وبسهولة شديدة مرتين، الأولى المتهمين في قضية جمعيات التمويل الأجنبي في عهد المجلس العسكري عام ٢٠١٢، وتكرر الأمر مع آية حجازي في العام قبل الماضي، نتيجة تدخل الرئيس ترمب الذي استقبلها في البيت الأبيض استقبال الفاتحين، وإذا تركنا السياسة إلى الاقتصاد -وهي الملاحظة الثالثة- فإذا كانت هناك أزمة اقتصادية، قد تواجه تركيا نتيجة انخفاض العملة، فإن الحكومة المصرية -وليست واشنطن- هي من قامت بتعويم سعر الجنيه المصري، الذي فقد نتيجة هذا القرار أكثر من نصف قيمته، ما تسبب في ارتفاع معدلات التضخم، ومعاناة كل القطاعات من ارتفاع الأسعار.
إذاً هناك فرق بين معارك وهمية، وأخرى حقيقية، تدفع فيها ثمن تمسكك بحرية واستقلال قرارك الوطني. وهناك فرق آخر بين شعب يقاوم ويتحدى ويؤازر قيادته، وبين شعب يعاني الأمرين من سياسات حكومته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.