الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
06:44 م بتوقيت الدوحة

غزة.. جدلية البقاء والوفاء

غزة.. جدلية البقاء والوفاء
غزة.. جدلية البقاء والوفاء
في الثلاثين من مارس من هذا العام انطلق في قطاع غزة حراك «مسيرات العودة وكسر الحصار»، في البداية كان التركيز على مسمى «مسيرة العودة الكبرى» التي كان من المفترض أن تبلغ ذروتها في منتصف مايو من العام ذاته.
وكان التعويل على خروج الجماهير الفلسطينية في جميع أماكن تواجدها داخل فلسطين وخارجها إلى السياج الفاصل مع الاحتلال، من أجل المطالبة بالعودة إلى ديارها التي هُجروا منها.
في الرابع عشر من مايو كانت الجماهير الفلسطينية على موعد مع «مسيرة العودة الكبرى» أو مليونية العودة التي دُعي جميع الفلسطينيين من أجل المشاركة فيها وفي فعالياتها.
لأسباب وظروف متفاوتة لم يتحرك بشكلٍ فاعل ضمن الحراك في ذلك اليوم ولا في قبله أو بعده سوى الفلسطينيين بقطاع غزة الذين خرجوا بحشود كبيرة إلى السياج الفاصل، وكانت يومها المجزرة البشعة حيث مئات الجرحى وعشرات الشهداء خلال ساعات قليلة.
فتحت قوات الاحتلال نيران رشاشاتها في وجه الشعب الأعزل، عوائل كاملة كانت ضمن المتظاهرين، وقفت أمام المدفع لتقول للعالم هذه أرضي، وهذا حقي لن أتخلى، يومها لم يكن أمامنا إلا الرصاص، وخلفنا كان بحر هائج من المشكلات والأزمات الإنسانية الخانقة التي تعج بيوت القطاع بتفاصيلها.
خرجوا من بيوتهم غير آبهين بما قد يصيبهم يستظلون بعلم فلسطين في يومٍ من أيام الصيف الحارة، كانوا يتوقعون أن يقف العالم على قدمٍ واحدة لأجلهم وأجل قضيتهم ولم يكن في مخيلتهم أن يكونوا وحدهم إلى ذلك الحد الصعب.
خبت كل الميادين والساحات عدا ميدان غزة، رغم أن الدعوات للخروج في مسيرات العودة كانت من جميع الفصائل الفلسطينية.
وإنه لمن الظلم أن تبقى غزة ذات السنوات الطويلة من الحصار والعدوان والألم وحدها دون البقية من عرب ومسلمين تتحمل المغرم الأكبر تجاه قضية الأمة، لسنا هنا في إطار التغني بغزة، ولكن في إطار عتاب من يتركونها ثم يلومونها.
وإنه لعجب عجاب أن ينبري بعض «المنظرين» إلى اتهام غزة بالتخلي والتآمر من أجل تمرير ما يسمى «صفقة القرن»، وتُتهم بأنها لا تنظر أبعد من حدود جغرافيتها.
يقولون هذا وغزة تقف منذ شهور أمام السياج الفاصل تطالب بالعودة إلى فلسطين مع شلال دمٍ وتضحيات لم تتوقف، في محاولة منها لإحباط المشاريع التصفوية التي تتهدد القضية الفلسطينية.
عيب وأي عيب أن يتم التعامل مع غزة بهذه المجهرية من رصد الأفعال والأقوال، وترك باقي خصومها وأعدائها يسرحون ويمرحون ويتآمرون ويعربدون، لا أخجل من القول بأن غزة من حقها أن تأخذ قسطاً من الراحة أو قسطاً من الحياة، فدون ذلك موت بطيء أو مواجهة شرسة واسعة.
أنانية مفرطة يعيشها العالم، أما غزة فهي مُستغربة ومتهمة إذا ما حاولت البحث عن حلول لأزمات هي ثمن إيمانها بحقها وقضيتها قضية فلسطين العادلة ومقاومتها ومواقفها الراسخة من الاحتلال، وبقاء غزة وتعافيها يعني بقاء أفضل للقضية كلها، وفلسطين للجميع، وبحاجة للجميع.
من حق البعض أن يتشكك من المسارات السياسية الراهنة لعدم ثقته ببعض أطرافها وهو تشكك طبيعي، يقتضي الإنصاف عدم المبالغة في التشكك كي لا يختلط الصالح بالطالح، والتخوف من الأثمان السياسية مقابل «التهدئة المفترضة» منطقي ويبقى الحفاظ على قوة المقاومة وسلاحها وبوصلتها المبادئية من أهم محددات السياق.
مؤسف أننا وصلنا لهذا التركيز في الحديث عن غزة دون غيرها من فلسطين، لكن المشكلة ليست في الحديث بقدر ما هي في العمل، وبالتأكيد توجد أسباب موضوعية وأخرى غير موضوعية لتعذر وجود حراكات موازية لحراك غزة في مختلف الساحات يضيق المتسع عن سردها، لكن وجب وضع بعض النقاط على الحروف.
غزة أصابتها لوعة الخذلان ومرارة الفقد، تموت ببطء، ومن حقها أن تعيش فهي «تحب الحياة ما استطاعت إليها سبيلاً»، لكن للأسف تجري شيطنة محاولات الوصول إلى تهدئة ورفع الحصار من البعض بنظرة لا تعطي أهمية للمعاناة الفادحة التي يعيشها السكان، وقد تكون المحاولات مجرد أمنيات، لكنها حق مستحق، والبديل سيكون صعباً جداً على (الجميع).
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.