الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
10:53 ص بتوقيت الدوحة

قطوف تربوية

المثالية

149
المثالية
المثالية
المثالية كلمة نسمعها ولكننا لا نراها، ولعلي أريد أن أقول إنني لا أحب أن أراها، لأن المثالية تعيش في عالم الأحلام وعالم الفكر التنظيري، ولطالما آذانا هذا الفكر وهذه النظرة، وخاصة عندما يُطرح هذا الفكر بعيداً عن الواقع محلقاً في الآفاق، حيث لا يعيش هناك أحد سوى تلك الأحلام التنظيرية، بعيداً كل البعد عن محاكاة واقع اليوم ومشاكله ومشاغله، فتجده يقدم لك حلولاً قابلة للتنفيذ، ولكن في الزمن الماضي وليس على واقع اليوم، أو العودة أحياناً لزمن معين من الأزمنة الذهبية، ونقوم بإسقاط بعض الوقائع والنماذج القوية ونقارنها بواقع اليوم، ونطلب أيضاً تطبيقها على أرض الواقع، على سبيل المثال لا الحصر أسلوب الصحابية المباركة صفية بنت عبدالمطلب عمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربيتها لحواري النبي -صلى الله عليه وسلم- الزبير بن العوام، أنها كانت تتركه في الظلام حتى تساوى عنده النور والظلام، إننا مع التربية على الخشونة، ولكن ليس بنقل قصة من ظروف معينة ونمط حياتي صحراوي كان العرب يعيشونه، ولم يكن للظلام ذلك الخوف، فهم يعيشونه واقعاً يومياً، فالخوف منه ليس بذلك الأمر العظيم، من هنا لو قام اليوم مربٍّ بترك طفله في مكان مظلم، يا تُرى ما النتائج المتوقعة التي قد تصل لهذا الطفل؟! وأيضاً نلاحظ أن الآباء أنفسهم غير قادرين على تطبيق تلك الصورة الوردية الجميلة عن الماضي في واقع اليوم، ومع ذلك تجدهم يطلبون هذا الماضي من أبنائهم بحجة أن الماضي كان وكان، ومن هنا تبدأ الاختلافات في التبلور بين الجيلين، فالآباء يعيشون صورة ذهنية جميلة عن المدينة الفاضلة والأخلاق الراقية التي لا تقبل الزلة أياً كان حجمها، والصغيرة لديهم كالكبيرة، هنا يعيش الأب في تأزم ولا شك أن ذلك سينتقل للأبناء كونهم يعيشون معه تحت سقف واحد، وعدوى الأخلاق تنتقل كغيرها، هنا على الأب أن يعي الواقع وأن يتعامل معه كما هو، لا كما يجب أن يكون! لأننا إذا ابتعدنا عن الواقع ورفضناه، كيف سنقوم بإصلاحه بعد ذلك؟
إن التركيز على الصورة المثالية في التربية مقدمة للفشل الذي نصنعه نحن بأيدينا، بل ويدفعنا في كثير من الأحيان إلى جلد الذات وعدم الرضا عن الواقع ورفع التوقع من الأبناء، ومن هنا تأتي الثلاثية القاتلة للأبناء: الأولى رفع التوقع، وسببه عدم الرضا عن أي منجز يقدمه الابن، فمهما بذل الابن من مجهود فلن يُلتفت إليه، وبالتالي سيختار الابن الانسحاب بدل العمل بلا تشجيع من الأبوين، والثانية المقارنة وهذا ما تحدثنا عنه وهي المقارنة السلبية والتي نربطها بالماضي والصورة المثالية، والنقطة الثالثة والأخيرة هي عدم التدعيم، حيث لا يوجد إنسان لا يملك ما يقدمه، ولكنه يمتنع عن التقديم عندما لا يجد من يصفّق له ويثني عليه ويتجاوز عن بعض زلاته، ويضع العدسة المكبرة على إنجازاته الصغيرة، فتتحول إلى إنجازات عملاقة، ويصبح هو أيضاً جزءاً من إنجازاته، وأخيراً فلنبتعد عن المثالية لنعيش الواقع.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لماذا؟

21 مارس 2019

أزمة تناقضات!

26 فبراير 2019

هل تحب طفلك؟

19 فبراير 2019

ما زال صغيراً

06 فبراير 2019

دع القافلة تسير

31 يناير 2019

العلم أم العمل؟

22 يناير 2019