الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
07:40 م بتوقيت الدوحة

القومية تقترب من الإفلاس 1-2

117
القومية تقترب من الإفلاس  1-2
القومية تقترب من الإفلاس 1-2
يبدو أن المواجهة بين القومية والعولمة، وليس بين الشعبوية والنخبوية، باتت تحدد هيئة الصراع السياسي خلال هذا العقد من الزمن. وحيثما نظرنا تقريباً -إلى الولايات المتحدة أو إيطاليا أو ألمانيا أو بريطانيا، ناهيك عن الصين، وروسيا، والهند- أصبح الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية القوة الدافعة الرئيسية وراء الأحداث السياسية.
على النقيض من هذا، لم يكن التمرد المفترض من قِبَل «عامة الناس» ضد النخب واضحاً، فقد استولى أصحاب المليارات على السياسة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب، ويدير أساتذة جامعيون غير منتخبين الحكومة الإيطالية «الشعبوية»؛ وفي مختلف أنحاء العالم، جرى تخفيض الضرائب على الدخول المتزايدة الارتفاع التي يحصل عليها الممولون، والمتخصصون في التكنولوجيا، ومديرو الشركات. من ناحية أخرى، تقبل العمال العاديون بصمت حقيقة أن الإسكان العالي الجودة، والتعليم الجيد، بل وحتى الرعاية الصحية، كلها أمور أصبحت بعيدة عن متناولهم على نحو ميؤوس منه.
وتسود هيمنة النزعة القومية على المساواة بشكل خاص في إيطاليا وبريطانيا، الدولتين اللتين اشتهرتا ذات يوم بالحس الفاتر بالهوية الوطنية. فمن الملاحظ في بريطانيا غياب الأعلام حتى على المباني الحكومية، وحتى الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان الناس هناك مسترخين حول سيادتهم القومية إلى الحد الذي جعلهم عاجزين حتى عن إزعاج أنفسهم بمحاولة الاتفاق على اسم دولتهم: المملكة المتحدة، أو بريطانيا، أو إنجلترا، أو ويلز، أو اسكتلندا.
وكان الإيطاليون أقل حساً بالقومية. فمنذ تأسس الاتحاد الأوروبي، كان الإيطاليون أكبر مؤيدين للفيدرالية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي، حتى وقت قريب، أن ثقة الناخبين في زعماء الاتحاد الأوروبي في بروكسل أكبر من ثقتهم في حكومتهم في روما. والإيطاليون شغوفون بثقافتهم، وتاريخهم، وأطعمتهم، وكرة القدم، لكن وطنيتهم كانت موجهة في الأغلب إلى المناطق والمدن، وليس إلى الدولة القومية. وهم يفضلون أن يُحكَموا من بروكسل، وليس من روما.
وحتى هذا العام، كان حزب الرابطة اليميني المتطرف، وهو العضو الأصغر في الحكومة الائتلافية الجديدة في إيطاليا، لا يزال يسمى رابطة الشمال. وكان واحداً من شعاراته المفضلة «جاريبالدي لم يوحد إيطاليا؛ بل قسم إفريقيا»، وكان مطلبه السياسي الرئيسي حل الدولة، منادياً بدلاً من ذلك بإنشاء دولة جديدة تحت مسمى «بادانيا»، والتي تفصل المناطق المزدهرة في الشمال عن الفساد والفقر في روما وما دونها جنوباً.
ما الذي يفسر إذن الهيمنة المفاجئة للقومية؟ الواقع أن القومية الجديدة في إيطاليا وبريطانيا، أو حتى في الولايات المتحدة، لا تنطوي على أي قدر يُذكَر من الوطنية الإيجابية. بل يبدو أن هذا الارتفاع المفاجئ في المشاعر الوطنية راجع إلى حد كبير إلى ظاهرة كراهية الأجانب، كما عَرَّفَها عالِم الاجتماع التشيكي الأميركي كارل دويتش: «الأمة مجموعة من الناس يربط بينهم خطأ شائع حول أصولهم وكراهية مشتركة لجيرانهم»، فالأوقات العصيبة -انخفاض الأجور، والتفاوت بين الناس، والحرمان الإقليمي، والتقشف بعد الأزمات- تستفز البحث عن كبش فداء، ومن الواضح أن الأجانب هدف مغرٍ دائماً.
ولا شيء أبعد عن الوطنية من عداء ترمب للمهاجرين المكسيكيين والواردات الكندية، أو سياسات الحكومة الإيطالية الجديدة المعادية للمهاجرين، أو تصريح تيريزا ماي الأكثر شهرة بعد توليها منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة: «إن كنت تعتقد أنك مواطن العالَم، فأنت لست مواطناً لأي مكان، وأنت لا تفهم معنى المواطنة».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا