الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
09:39 ص بتوقيت الدوحة

زعامات تصنع التاريخ

زعامات تصنع التاريخ
زعامات تصنع التاريخ
كم من قيادات دول تناوبت على الحكم استمرت سنوات وسط ضجيج إعلامي زائف، ولكنها في النهاية ذهبت دون أن يكون لها أثر.
دون أن يتم السماح لها بالعبور إلى التاريخ، مثلها مثل ملايين البشر العاديين، القلة فقط هي التي تخرج من باب الرئاسة إلى دنيا الزعامات التي يتم التأريخ لها، بما قبل توليها المسؤولية وما بعدها، تصبح علامات بارزة في حياة دولها وشعوبها، فهي تصنع الفرق.
ومن هؤلاء آيبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا، الذي لم يمر على وجوده في منصبه سوى أكثر قليلاً من ثلاثة أشهر، ولكن بصماته على سياسات بلاده داخلياً وخارجياً تحتاج سنوات من العمل الدؤوب والمتواصل، وفقاً لبرنامج إصلاح واضح، يبدو أنه كان معداً من قبل توليه الرئاسة. لم يلجأ إلى الوصفات المعتادة لدى حكام دول العالم الثالث لتأجيل الإصلاح مثلاً. ومن ذلك، سياسات الترهيب والتخويف من عدو داخلي كالإرهاب، أو الدخول في عداء مع تيارات سياسية داخل الدولة، أو خارجي بافتعال أزمات أو صراعات مع دول الجوار. لم يتبع سياسات الوعود التي لا تُنفذ، فهي بلا توقيتات.
آيبي أحمد -وهو في الأربعينيات من عمره- ابن من أبناء مؤسسة الحكم، سواء على الصعيد الحزبي أو التنفيذي، أو حتى العسكري والأمني. من خلال عمله في الاستخبارات الإثيوبية، استطاع في هذه الفترة البسيطة أن ينجز مصالحات داخلية ينهي بها أزمات سياسية طويلة؛ فهو -على عكس قيادات في المنطقة- زار الأقاليم الإثيوبية التسعة للتعرف على الأوضاع عن قرب، ومنها مدينة أمبو، حاضرة إقليم الأورومو، ومعقل المعارضة، ومنطلق الاحتجاجات التي شهدتها البلاد على مدى السنوات الثلاث التي سبقت توليه مهام منصبه. كما سمح للمعارضة بالعودة إلى البلاد، وأفرج عن المعتقلين السياسيين. كما صوّت البرلمان بالأغلبية لصالح إنهاء حالة الطوارئ المفروضة منذ فبراير الماضي، ولم يستغل حادث محاولة اغتياله، أو مواجهته مع الدولة العميقة -وكان أحد مظاهرها قدرته على التخلص من أبرز رموزها في قيادات القوات المسلحة والاستخبارات- في تأجيل المصالحات، بل رفع أسماء ائتلاف المعارضة الإثيوبية المسلحة، و»جبهة تحرير أوروم» و»جبهة تحرير أوغادين» و»الجبهة الوطنية الإثيوبية» من قائمة المجموعات الإرهابية، التي سبق إدراجها على قائمة المجموعات الإرهابية في يونيو. وبدورها، تخلت المعارضة الإثيوبية في إريتريا عن المقاومة المسلحة، معلنة تعليق أنشطتها العسكرية، بينما عادت قيادات «جبهة تحرير أورومو المتحدة» المعارضة إلى إثيوبيا بعد عقدين في المنفى.
آيبي أحمد يملك رؤية استراتيجية متكاملة حول علاقات بلاده بالجوار والعالم، عنوانها الكبير «تصفير الأزمات» وإنهاء المشاكل، وهذا واضح من خلال رصد زيارته الخارجية، أو نجاحه في إنجاز المصالحة التاريخية مع الجارة إريتيريا، التي تمت بسعي الطرفين ورغبتهما، دون أن يكون هناك أي وسيط إقليمي أو دولي، كما أكد ذلك المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية، كما ادعى البعض، وهي المصالحة التي سمحت بإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي، كما أن الموارد التي كانت تُستخدم في الصراع ستُستخدم في التنمية، كما استفادت منها إثيوبيا بشكل إضافي من خلال عودة تعاملها مع العالم من خلال الموانئ الإريترية بعد انقطاع طويل بطول الصراع. بعدها خرج إلى الدائرة العالمية بزيارة رسمية إلى واشنطن، وهو يملك من عوامل القوة الكثير للتعامل مع الإدارة الأميركية، حيث جاءها من دولة ستتحول -إذا سارت الأمور- لتكون أحد النمور في إفريقيا على الصعيد الاقتصادي، كما أنه كان حريصاً على التواصل والاجتماع مع الجالية الإثيوبية في أميركا، لتساهم وتدعم تجربة الإصلاح في البلاد.
لقد بدأت ملامح النجاح في المهام الصعبة والتحديات الملحة في إثيوبيا على يد آيبي أحمد، وتتلخص في إصلاح البيت الحاكم من داخله، وتحقيق الأمن والاستقرار، وإعادة الثقة المفقودة بين النخبة الحاكمة وقيادة المعارضة السياسية المأزومة، وأخذ البلاد نحو المشاركة السياسية، وترسيخ أسس الديمقراطية، والتنمية المتكاملة، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.