الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
06:56 ص بتوقيت الدوحة

النزاعات الحدودية والحروب العبثية

النزاعات الحدودية والحروب العبثية
النزاعات الحدودية والحروب العبثية
تطورت فكرة الوطن حتى استقرت في القُطر بحدوده السياسية، أي أن الوطن بمفهومه الحديث هو رقعة جغرافية رسمت حدودها ظروف تاريخية وأحداث، أبرزها في الغالب الأعم العوامل العسكرية في الحقبة الاستعمارية.. هذه الرقعة الجغرافية قد تكون واسعة المساحة وقد تكون قطراً صغيراً، وقد تجري فيها أنهار، وقد تكون صحراوية كلها، وقد تتاخم ساحلاً بحرياً، وقد تكون غنية بموارد غالية، وقد تكون كلها جرداء بلا موارد فينشأ عليها قُطر فقير.. لكن -في كل الأحوال- يبقى الوطن هو الوطن، فتنشأ رابطة وجدانية بين هذه الرقعة التي هي الوطن، وقاطنيها الذين هم المواطنون والشعب. وقد تتحول العلاقة إلى قداسة، وقد تبقى في حدود لا تهدد استقرار المنطقة، كما حدث في أوروبا بعد مؤتمر هلسنكي التاريخي الذي وضع حداً لأي احتمال لنشوء نزاع حدودي يهدد استقرار القارة، وذلك باعتراف كل الدول بالحدود القائمة، ولو اعترتها عيوب ومآخذ. أما في حالة التقديس المرتبطة بعاطفة وطنية مشبوبة، فقد تنشأ معها شوفينية أو تعصب مقيت؛ يتضح ذلك عند حدوث نزاع مع جار، فيحشد الطرفان كل إمكاناتهما وتطلق صيحات الحرب وتدق طبولها وتحرك الجيوش وتراق الدماء حتى لا يمس (شبر) من الأرض.
نشبت نزاعات حدودية دفع طرفاها أثماناً باهظة، في الهند وباكستان، وفي أرمينيا، وأذربيجان، وفي قبرص، وفي العراق، وإيران، وبين تشاد وليبيا، وبين إثيوبيا وإريتريا حول منطقة (باديمي) الصغيرة التي انضمت لنظيراتها في كشمير، وناغورنو كرباخ، وشط العرب، وأبيي، وهجليج، وحلايب، ولواء الإسكندرون، وأبو موسى، ومثلث أليمي، والفشقة، وكركوك، وإقليم أوزو، وسبتة.
اتفقت بعض أطراف النزاع على خيار التحكيم، وهو ملاذ معقول يدل على حكمة وحنكة، فقد كان اللجوء لهذا الخيار سبباً في إنهاء نزاعات، كما حدث بين إريتريا واليمن حول جزيرة حنيش، حيث جاء قرار التحكيم لصالح اليمن وقبلت إريتريا القرار، وتنازعت إريتريا وإثيوبيا حول منطقة (بادمي) كما أشرن، إلا أن إثيوبيا رفضت الخضوع لقرار لجنة الحدود الإثيوبية الإريترية التي شكلتها الأمم المتحدة، ولم تذعن إلا مؤخراً عندما رجح رئيس الوزراء الجديد أبي أحمد صوت العقل. هذه التجربة تؤكد ضرورة إلزامية خيار التحكيم وتنفيذه بالقوة الجبرية بعد اتخاذه.
إن رفض أي من طرفي النزاع خيار التحكيم يدل على ضعف موقف الطرف الرافض، وسعيه لفرض الحالة كأمر واقع بالاحتلال العسكري، الشيء الذي يعيد التذكير بأهمية فرض خيار التحكيم كضمانة للسلام الإقليمي، ولو رضخت إثيوبيا للقرار مبكراً لكفت الدولتين مشاق الحرب وتبديد الموارد وتعطيل التنمية. فهل تجعل المنظمة الدولية خيار التحكيم ملزماً؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.