الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
09:59 ص بتوقيت الدوحة

الحياة دُول

الحياة دُول
الحياة دُول
عجباً من أمرنا في هذه الحياة بخيرها وشرها، عجباً من أمرنا -نحن المخلوقات- وخالقنا خلقنا كرّمنا وقدر لنا الأقدار، مسطراً الألواح المحفوظة بالوقائع المحفوفة، فنسير فيها مسيَّرين ومخيَّرين، ووفق قواعد وضوابط كونية لا تبيد، ولا تحيد عن طبيعة الإنسان البشرية، فلا يوجد خير قطّ، ولا يوجد شر قط، وليست هناك حياة مطلقة، ولا ممات سرمدي. فما بين التضاد والانسجام تمتزج الحياة، وتختلط في صروفها، وتتنوع وتتبدل وتتحول؛ لتتناسب مع التكوين الفطري الذي فطر الله الناس عليه.
سنتأمل جميعاً أعماقنا في هذه اللحظة، ماذا نرى؟ بم نشعر؟ لماذا نحن هنا؟ كيف يجب أن نكون؟ كثير من الأسئلة تختلج ذواتنا، وتسبح في مكنوننا، لكن الإجابات تختلف دائماً بحسب المكان والزمان والعقل والوجدان.
هذا ما يدفعنا إلى العيش بلا التفات إلى ألم ألمَّ بنا، وبلا ترقب قادم مخيف، وعابر مقلق، فلا نعيش اللحظة بزفرة وحسرة، بل نعيش بصوت واقعي يتردد صداه في ذواتنا:
خذ نفساً من أعمق أعماقك، وارفع رأسك مستشعراً وقوفك أمام ربك الذي خلقك وأودع فيك حواساً رائعة، ولامس حسك، وعرف همسك. مارِس آدميتك الأصيلة من خلقتك الأصلية من أصل الأرض (ترابها) الذي خُلقتَ منه. نَعَم، خلقنا الله من تراب لنعلم أننا بسطاء، وأننا نافعون وأننا نتغير بتغير الحال وببلوغ المنال. ضع يدك على قلبك واسمع نبضه، فما زال ينبض وما زالت الأنفاس تتصاعد شهيقاً وزفيراً.
إذن يومنا الجميل وحياتنا السعيدة ونجاحاتنا المبهرة وأحلامنا المستقبلية في مقابل يومنا الشاق وحياتنا العصيبة وظروفنا الأليمة وفشلنا الذريع، هذا وذاك سنن الله في الكون وحتميته المقدرة لا دوام في الأحوال أبداً، فلم الحنق؟ ولم الإحباط؟ ولم التوقف؟
قرر وغامر وامض وبادر وسارع، فستنجح وستخفق وستقف وستسقط، وما بين ذلك كله تكمل لذة الحياة. لا تقف مكتوف اليدين، متجهماً ناقماً على نفسك وعلى من حولك، انهض وجمِّع شتاتك واروِ ظمأك، وثقْ فيمن يحبك، واطلب عنه، رتب وضعك، وتنازل عن المنغصات، وإن كانت على حساب روتينك لا على حساب قيمك، وشق طريقاً واضحاً، وثبت خطواتك.
وإذا طاردك الأذى، اهرب إليه ولا تهرب منه، وإذا وجدت من يكسر عزيمتك، هاجمه واكسر بخيرك الذي يسكنك شرّه، وإن كنت طيباً، فأَبشر بسعدك، وأكرم بخلقك، فليس هناك أحد مثلك، ولا عليك ممن يسخر من طيبتك ويراها ضعفاً وغباءً، فالله طيّب الحياة ورزقنا الطيبات، وجعل كلامه في محكم تنزيله طيِّباً، والجنة طيبة، ولا يدخلها إلا طيب.
ليس هناك ما يستحق أن تتوقف حياتك من أجله، فاحزن لحزنك، وتألّم ولكن لا تثبت على هذا الحال؛ فهناك مجد ينتظرك، وسعادة تريدك، وفرحة تغمرك، فردد دوماً:
«دوام الحال من المحال» قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: «لو أن الناس كلما استصعبوا أمراً تركوه ما قام للناس دنيا ولا دين». وقديماً قال الشاعر أبو البقاء الرُّنديّ:
لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان
فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سرّه زمن ساءته أزمــان
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

«الدعاء سهام»

19 مايو 2019

الصيام والحرمان

12 مايو 2019

رمضان أقبل

05 مايو 2019

عيوب حميدة

21 أبريل 2019