الجمعة 15 رجب / 22 مارس 2019
11:22 ص بتوقيت الدوحة

هل يريد الغرب ما تريده التكنولوجيا؟ 2/2

119
هل يريد الغرب ما تريده التكنولوجيا؟ 2/2
هل يريد الغرب ما تريده التكنولوجيا؟ 2/2
تتطلب صناعة طائرة ضخمة (جمبو) ملايين الأجزاء حرفيا، ويمكن أن تكون للابتكارات في أي مكون تأثيرات مهمة على تصميم الطائرة وكفاءتها بشكل عام. فالطباعة ثلاثية الأبعاد مثلا يمكن أن تقلل بشكل جذري عدد الأجزاء التي تحتاجها المحركات التوربينية، مما يقلل وزنها بدرجة كبيرة (وبالتالي استهلاكها من الوقود). وللاستفادة من تلك الاحتمالات، ينبغي أن تكون الشركات المبتكرة على اتصال بمُصنعين في أماكن أخرى بطريقة مأمونة.
وهذا بالضبط عكس ما يمكن أن يفضي إليه أحد بنود الانقضاء التلقائي المنصوص عليه في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية. ولهذا السبب حذرت شركة إيرباص مؤخرا من أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ستكون له تداعيات سلبية حادة على صناعة الفضاء في بريطانيا، حيث يتطلب أسلوب التكامل المرن القائم على نظام الوحدات القدرة على الاستفادة من المواهب في أي مكان في العالم. ففي وادي السيليكون مثلا، نجد أن أكثر من نصف العاملين في مجموعة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مولودون في دول أجنبية، فيما تقل نسبة المولودين في كاليفورنيا عن الخمس، وهي ولاية تأتي في المرتبة السادسة والثلاثين بين أكثر دول العالم سكانا، إذ يقطنها 40 مليون شخص. وفي ظل القيود الشديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الهجرة، رفع جيران الشمال لوحات ضخمة في وادي السيليكون مكتوب عليها «هل تواجه مشكلات في تأشيرة العمل؟ فكر في كندا.»
غير أن تنفيذ كثير من التقنيات يتطلب أيضا مكونات لا يمكن توفيرها إلا من خلال آليات غير سوقية، وهنا تلعب الحكومات دورا حاسما. فلو نظرنا مثلا إلى مشاريع خطوط السكك الحديدية عالية السرعة، سنجد أن أي شركة خاصة لا تستطيع بناء خط سكك حديدية دون تصريح وتعاون حكوميين. ويبلغ طول السكك الحديدية عالية السرعة في أوروبا الغربية أكثر من 14 ألف كيلو متر (8700 ميل)، بينما يصل طولها في الصين إلى أكثر من 25 ألف كيلو متر. وتدعي الولايات المتحدة أن لديها 56 كيلو مترا في مساحة صغيرة تغطي أقل من 8% من المسافة بين بوسطن وواشنطن العاصمة. وسبب ذلك واضح، وهو أن هذه تقنية تتطلب قرارا اجتماعيا، وحكومة تمكِّن من إدراك هذا الاختيار، تماما مثل السيارات الكهربائية.
بإيجاز، تتطلب التكنولوجيا مجتمعا يتصل بالعالم من خلال طريقي التجارة والانفتاح على المواهب، كي يمكن الاستفادة من مكاسب أسلوب التكامل القائم على نظام الوحدات. كما تتطلب أيضا مجتمعا قادرا على تنمية إحساس مشترك بالهدف، يكون عميقا وقويا بدرجة كافية لتوجيه الحكومة نحو توفير الأموال العمومية التي تتطلبها التقنيات الجديدة. ولتسهيل تحقيق الشرط الأول، لابد أن يكون هناك مجتمع يتمتع بإحساس أوسع وأكثر شمولية بأعضائه الحقيقيين، أما تسهيل إدراك المتطلب الثاني فيحتاج إلى إحساس أعمق وأكثر مغزى بالعضوية.
لقد اختارت الإمبراطورية الإسبانية طرد اليهود والموريسكيين من مملكتها في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وحاولت فرض تعصبها على المناطق الخاضعة لسيطرتها في البلدان المنخفضة في القرن السادس عشر، إلا أنها فشلت في ذلك. لكننا نلاحظ أن هولندا ظهرت كمنارة للتسامح جذبت بعض أعظم مواهب أوروبا من ديكارت إلى سبينوزا، بعد حرب استقلال دموية استمرت 80 عاما. فلا غرو أن تصبح أغنى دولة في العالم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر.
ربما تجاهلت قوى الشعبوية الموجودة اليوم متطلبات التكنولوجيا وفرضت رؤيتها على العالم. لكنها ستودي بمجتمعاتها دون قصد إلى نفس حال منظومة السكك الحديدية في أميركا، التي تسلك مسارا بطيئا للغاية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المعجزة الألبانية (2-2)

15 أكتوبر 2018

المعجزة الألبانية (1-2)

12 أكتوبر 2018