الأربعاء 22 شوال / 26 يونيو 2019
07:56 م بتوقيت الدوحة

دولة الصوت الواحد

دولة الصوت الواحد
دولة الصوت الواحد
تجسد جلسات مجلس النواب المصري صورة حقيقية لما يجري في مصر، من تراجع شديد في الممارسات الديمقراطية، وغياب الشفافية. فالمجلس لا يمارس دوره الحقيقي، في مراقبة أعمال الحكومة، المنصوص عليه دستورياً، فكثير من القرارات المهمة والمصيرية، تم اتخاذها دون الرجوع إليه، أو انتظار إجراء حوار حقيقي حولها، بل يفاجأ بها الأعضاء، مثلهم مثل رجل الشارع، ومنها قرض صندوق النقد الدولي، أو قرار تعويم الجنيه المصري، وعشرات من القرارات. وحتى الدور التشريعي للمجلس تجد الشعب المصري في وادٍ، والمجلس في وادٍ آخر، حيث ينفذ أجندة لا تمس مصالح الجماهير ولا قضاياهم، بل تجد الهمة والنشاط في القوانين المقيدة للحريات، والمثيرة للجدل، وآخرها قوانين تنظيم الإعلام المرفوضة من أغلبية الصحافيين، وكذلك قانون منظمات المجتمع المدني، وعليه ملاحظات داخلية واعتراضات خارجية، لأنه وببساطة ينهي العمل الأهلي ويعرقل دورها.
ولعل تهديد رئيس مجلس النواب المصري المستشار علي عبدالعال الأسبوع قبل الماضي، بإسقاط عضوية بعض النواب، يمثل نموذجاً جديداً لتردي الأوضاع على صعيد العمل السياسي في مصر، والأمر هنا يتعلق بعدد من نواب ائتلاف ٢٥-٣٠ المعارض، حيث أشار رئيس المجلس بتعبيرات واضحة وصريحة، بأنه سيتم إسقاط عضويتهم هذا الأسبوع، ولن يكونوا أعضاء في المجلس، وقال إن الجلسة القادمة ستشهد تصويتاً على إسقاط عضوية بعض النواب، وفقاً للائحة المجلس. وأضاف «لن تكونوا أعضاء في هذا المجلس ابتداء من الأسبوع المقبل، وجاء تهديد رئيس البرلمان على خلفية مناقشة تعديل أحكام قانون الرقابة الإدارية، وقانون التأمين الاجتماعي، وقانون تحديد المعاملة المالية لرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ومسؤولين آخرين، والذي شهد خلافاً ومعارضة من بعض النواب، وقد مرت الجلسة السابقة دون أن يتم تنفيذ رئيس البرلمان تهديداته، سوى بدء إجراءات إسقاط عضوية إحدى النائبات، بعد صدور أحكام قضائية ضدها، في أمور مالية تتعلق بأعمالها، فهي من سيدات الأعمال، وإن كان «ترك الباب موارباً»، عندما طلب من الأعضاء اتخاذ إجراءات قانونية ضد النواب المخالفين، مما يعني تأجيل القرار دون إلغائه.
ما يحدث صورة مصغرة من مشهد كبير في مصر، أصبح يسعى وبكل الوسائل، إلى دولة الصوت الواحد، فرغم أن الطريقة التي تم بها اختيار أعضاء المجلس من خلال الأجهزة الأمنية، لضمان الولاء إلا أن عدداً محدوداً من الأعضاء، نجحوا في المقاعد الفردية، وشكّلوا ائتلافاً أطلقوا عليه ٢٥-٣٠، إشارة إلى التزامهم، كما قالوا في وثيقة إعلان تشكيل الائتلاف، بنضال الشعب المصري الممتد وتجلياته العبقرية، والذي كان آخره ثورة ٢٥ يناير، وموجتها الأعظم في ٣٠ يونيو».
ويهدف إلى دعم الطبقة الوسطى، وعدم زيادة الأعباء على الفقراء، وعددهم حصراً ١٦ نائباً، يمثلون أقل من ٣% تقريباً من أعضاء مجلس النواب. ورغم دورهم المحدود، وعدم قدرتهم على أن يمثلوا معارضة حقيقية، وبعض مواقفهم تتسم بالميوعة، ومن ذلك تهديدهم الأجوف، بتقديم استقالة جماعية، أثناء تمرير اتفاقية تبعية تيران وصنافير للسعودية، إلا أن مجلس النواب ورئاسته، لا يحتملان ممارستهم لدورهم الرقابي المحدود، والخالي من أي تأثير، وسط أغلبية كاسحة من الأعضاء الموالين في ائتلاف دعم مصر.
إسقاط العضوية عن بعض أعضاء ائتلاف «٢٥-٣٠» -إذا تمت- وهو المتوقع خلال أيام، ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، فقد سبق للبرلمان إسقاط عضوية النائب محمد أنور السادات العام الماضي، بدعوى «الحط من قدر البرلمان»، كما أسقطت عضوية توفيق عكاشة في ٢٠١٦ على خلفية استقباله السفير الإسرائيلي. ولكنها هذه المرة تعد مخالفة صريحة للمادة العاشرة من الدستور المصري، التي تحدد أسباب إسقاطها في فقد الثقة والاعتبار، أو فقد أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها، أو أخل بواجباتها، كما يجب أن يصدر قرار إسقاط العضوية من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه، وكلها لا تنطبق على أعضاء الائتلاف، الذين يقومون بالحد الأدنى من دورهم، ولكنها دولة الصوت الواحد، والرأي الواحد، فِي ظل حديث متواصل من الدكتور عبدالعال باعتبار المعارضة، أو مجرد الخلاف حول إحدى القضايا المعروضة، محاولة اختطاف المجلس أو هدمه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.