الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
05:35 م بتوقيت الدوحة

نقد الخطاب الديني الموجّه للأسرة 1-3

287
نقد الخطاب الديني الموجّه للأسرة 1-3
نقد الخطاب الديني الموجّه للأسرة 1-3
في ظل الاضطراب الحاد في منظومة القيم الاجتماعية كتحدّ متوقّع من تحدّيات العولمة والانفتاح على القيم المستوردة، وما تمارسه كثير من وسائل الإعلام من ترويج غير مبرر للثقافات الغازية، حتى فيما يتعلق بالعلاقات الأسرية، لكل ذلك راحت الأسرة تدفع ثمناً باهظاً في استقرارها ونمط علاقاتها، ولا أدل على هذا من انتشار معدّلات الطلاق في عموم مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وكان من المؤمّل أن يمارس الخطاب الديني دوره في المعالجة وتقديم الحل الأفضل، حيث إن مجتمعاتنا ما زالت تسمع للخطاب الديني وتتأثّر به، خاصة في هذا المجال، إلا أنه من الملاحظ أن الخطاب الديني في كثير من الحالات أصبح جزءاً من المشكلة، وأن الأسر المتدينة ربما لا تختلف كثيراً في مشاكلها عن غيرها من الأسر، فأين يكمن الخلل؟
إن الخطاب الديني في كثير من الأحيان يستحضر الفتوى الجزئية المحدّدة وينزعها عن منظومتها القيمية والأخلاقية، فهو يفتي مثلاً في التعدّد أو الطلاق فتاوى مبتورة عن سياقها القيمي والأخلاقي والتربوي، كأنه يتعامل مع المشكلة بمنطق القضاء والقانون المجرّد من أي اعتبار آخر، والحقيقة أن الدين إنما هو قيم ومبادئ وأخلاق وتربية قبل أن يكون أحكاماً فقهية، بل إن الفقه الإسلامي كله، وفي كل مجالاته، لا يحقق مقاصده وغاياته المرجوّة، إلا بعد أن يتكوّن المجتمع تكويناً إيمانيّاً وأخلاقياً.
إن المفتي الذي يبيح الطلاق بإطلاق ويجعله حقّاً للرجل وعلى وفق مزاجه، حتى إنه لا يشعر بالحاجة لسؤاله عن أسبابه ومبرراته وآثاره المتوقّعة، إنه حقيقة يغفل أو يتغافل عن جملة من المقاصد الكبرى التي يهدف الإسلام إلى تحقيقها في الأسرة والمجتمع، ومن ذلك ما نصّ القرآن عليه في مثل قوله تعالى: «وجعل بينكم مودّة ورحمة»، فلا أدري ما مصير المودّة والرحمة في ظل هذه الفتاوى؟ ثم ما مصير الأولاد الذين هم رأس مال المجتمع وضمانة مستقبله؟ كل هذا ربما لا يخطر في بال المفتي، بل لمست من بعض المفتين العكس، بمعنى أنه ربما يتحرّج من تحذير المطلِّق، خشية أن يقع في تحريم شيء قد أحلّه الله! نعم فهدم المودّة والرحمة لا يعتبره المفتي إثماً، لأن هذا غير منصوص عليه في كتب الفقه، وضياع مستقبل الأولاد كذلك، ومثله تسميم العلاقات الاجتماعية في دائرتها الأوسع، كالأعمام والأخوال، وما إلى ذلك، وفي بعض الأحيان تشعر الزوجة بالظلم الكبير، خاصة تلك التي بذلت حياتها وشبابها ومالها، وقد صبرت معه على كل الظروف الصعبة التي مرّ بها، ثم في أول خلاف معها أو مع أهلها يرى أنه من حقّه -وفق هذه الفتاوى- أن يطلّقها أو يقهرها بطريقة تعسّفية ومستفزّة بزوجة ثانية، دون النظر إلى أي اعتبار آخر.
إن الذي يكشف خلل التكوين الشرعي لدى هؤلاء المفتين أنهم يحفظون أحكام الطلاق بكل تفاصيلها وأدلتها، لكنك حينما تسألهم عن منهج الإسلام في استقرار الأسرة والحدّ من ظاهرة الطلاق تكون إجاباتهم ضعيفة ومرتبكة.
إن المستشرقين والتغريبيين الذين يتهمون الفقه الإسلامي بأنه «فقه بلا أخلاق» ربما يجدون متنفسهم في مثل هذه الفتاوى القاصرة والمرتبكة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.