الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
10:41 ص بتوقيت الدوحة

«هلسنكي».. «تطبيع» بين الرئيسين لا بين الدولتين

«هلسنكي».. «تطبيع» بين الرئيسين لا بين الدولتين
«هلسنكي».. «تطبيع» بين الرئيسين لا بين الدولتين
لا مبالغة في القول بأن العالم الذي ترقّب قمة هلسنكي لم يعرف ما إذا كانت خرجت بنتائج يمكن التحقق منها. فالرئيسان الأميركي والروسي اتفقا أو اختلفا على هذا الملف أو ذاك في خلوة ضمتهما مع مترجمَين، وليس في قمة بين دولتين. تُرك الكثير للجان المتابعة كي تدرس اتفاقات، لكنها يُفترض أن تعمل على أساس أن «تطبيعاً» للعلاقات تم بين الدولتين. غير أن جلوس دونالد ترمب وفلاديمير بوتن وتحادثهما واكتفاءهما بمؤتمر صحافي من دون بيان مشترك لم يعنِ أن تطبيعاً قد حصل فعلاً، ثم إن عدم عقد اجتماعات تحضيرية بين الوزراء وكبار المسؤولين أشار إلى أن الجانبين استرشدا بـ «الغموض البنّاء»، الذي يتيح لهما التنسيق والعمل معاً في أكثر من مجال، في انتظار حل العقدة التي لم يتم تجاوزها بعد.
رغم أن ترمب ارتكب هفوة التقليل من أهمية قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، مجازفاً بتحقير وكالات الاستخبارات الأميركية لمصلحة «النفي القوي» للتدخل كما سمعه من بوتن، واضطر لاحقاً للاعتراف بأنه أخطأ، إلا أن أمرين شكّلا أهم مخرجات لقاء هلسنكي: الأول أن الرئيسين أدركا إلى أي حد تسببت هذه القضية غير المسبوقة نوعياً بتسميم العلاقات بين الدولتين، والآخر أنهما لم يسعيا إلى/ أو فشلا في إيجاد مخرج منها. تكمن الصعوبة في استحالة إقرار بوتن بالتدخل وتحمّل التبعات، وفي خشية ترمب من استغلال القضية للتشكيك بشرعية انتخابه أو لشل سياساته. ليس جدّياً ولا عملياً تلويح الرئيس الروسي بإمكان المحققين الأميركيين استجواب المشتبهين الروس؛ فالأدلة الأميركية توصلت إلى أنهم ليسوا مجرد «مهكّرين» من هواة القرصنة الإلكترونية، بل عاملين في الأجهزة الروسية. إذاً، ما العمل في حال اتهامهم وإدانتهم؟
كان أبسط ما قيل في واشنطن -تحت وطأة الغضب- أن روسيا «ليست حليفتنا»، وأقصى ما رُمي به ترمب أنه ارتكب «ما يرقى إلى الخيانة». ماذا يعني ذلك؟ مضاعفة التركيز على التدخل الروسي وفرض عقوبات «كونجرسية» أخرى على روسيا. والأهم أنه لن يكون هناك تغيير جوهري في الملفات العسكرية الاستراتيجية، وقد كشف بوتن أن ترمب أبلغه أن شبه جزيرة القرم يجب أن تبقى في أوكرانيا؛ أي أنه لم يقدّم تنازلاً بدا محتملاً في المسألة التي صعّدت التوتر بين روسيا ودول حلف الأطلسي. أما الاستثناء «الاستراتيجي» الوحيد الذي كان واضحاً عند الرئيسين ولا يعارضه محازبو ترمب الجمهوريون ولا خصومه الديمقراطيون، فكان «أمن إسرائيل»، كما لو أنها تواجه خطراً وجودياً داهماً. كان المقصود بوضوح تحذير إيران مع اقتراب ميليشياتها «المنضمة» إلى قوات النظام السوري من حدود الجولان المحتل.
غياب أي إشارة علنية إلى «عملية السلام في الشرق الأوسط» لا يعني أن الرئيسين لم يتطرقا إليها، فترمب يروّج لـ «صفقة القرن»، وبوتن يريد معرفة المزيد ليحدد مصلحة روسيا فيها. كذلك لم تكن هناك إشارة مباشرة إلى الأزمة السورية إلا في حديثهما السطحي عن قضية اللاجئين، وهذه مرتبطة أولاً بالحل السياسي الذي تهندسه روسيا بطريقتها، وثانياً بإعادة الإعمار التي تتطلب مساهمات دول لها مآخذ على «الحل الروسي». وقد أثبت ترمب عملياً أن الملف السوري متروك لبوتن وفقاً لأولويتين أميركيتين: «أمن اسرائيل» وقد اتفقا عليها، و»إخراج إيران من سوريا» ولم يكن متوقعاً أن يتفقا عليها علناً، لكن التنسيق الروسي-الإسرائيلي ماضٍ في تحجيم النفوذ الإيراني.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.