الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
05:41 م بتوقيت الدوحة

جنسيات للبيع!

جنسيات للبيع!
جنسيات للبيع!
قضي الأمر، وتحول المشروع إلى قانون في انتظار تصديق الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عليه، ليصبح واجب النفاذ، ويتم تطبيقه. دون أي اهتمام بحالة الجدل الشديد والخلافات القوية حوله. أتحدث هنا عن القانون المقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القرار بقانون رقم 89 لسنة 1960، والخاص بدخول وإقامة الأجانب بمصر والخروج منها، والقانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية، والذي يقضي بحق من يقيم في مصر بوديعة لمدة 5 سنوات، في طلب الحصول على الجنسية المصرية، والعجيب في الأمر تلك السرعة التي تم بها إقرار القانون، والذي لم يأخذ حظه من المناقشة، رغم خطورته، والتي لم تستمر سوى يوم أو بعض يوم، كما أن من الملاحظ هنا إصرار النظام على إصداره هذه المرة، فالوقائع تؤكد أنه جرت محاولات لتمريرة خلال الفترة الماضية، وقد سبق وأعلنت الحكومة في يوليو 2016 عزمها تعديل أحكامه، وقامت بإحالة مشروع القانون إلى قسم الفتوى والتشريع في مجلس الدولة، لإبداء الرأي القانوني بشأنه، وكانت المفاجأة رفض مجلس الدولة في أكتوبر 2016 القانون لما يُمثّله من خطورة على الأمن القومي ومخالفته للدستور، خاصة نص المادة السادسة التي تنص على: «الجنسية حق لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، والاعتراف القانوني به ومنحه أوراقًا رسمية تثبت بياناته الشخصية، حق يكفله القانون وينظمه. وهكذا يمكن الطعن عليه بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا».
ويبدو أن المكاسب الاقتصادية المتوقعة قد تكون السبب وراء الاستعجال، والحرص على إصدار القانون، وتشيع الحكومة أن الحصيلة المتوقعة للقانون ستكون 10 مليارات دولار، على اعتبار أن عدد الأجانب المقيمين في مصر 5 ملايين، كما يقول أعضاء مجلس النواب. كما لو كان كل المقيمين لديهم القدرة على توفير مبلغ الوديعة، وللأسف الشديد فالسوابق تجعلنا لا نثق كثيراً في أرقام الحكومة المصرية أو توقعاتها، ونماذج لذلك الحديث السابق عن العوائد المتوقعة من مشروعات حفر قناة السويس الجديدة، وإن كان القائمون على الأمر في مصر، يحددون فلسفة القانون في أنه يستهدف تشجيع استثمار الأموال العربية والأجنبية في المشروعات الاقتصادية، مع التيسير على الأجانب ذوي الارتباط الطويل والقوي بمصر، والعمل على توفير جو من الثقة والاستقرار، ليطمئن المستثمرون على أموالهم ومشروعاتهم، لذلك فقد رؤي استحداث فئة رابعة لإقامة الأجانب بموجب وديعة نقدية بقيمة لا تقل عن 7 ملايين جنيه مصري، أو ما يعادلها من العملات الأجنبية، لمن يعلن عن رغبته في ذلك، تودع في أحد البنوك الحكومية المصرية طوال مدة إقامته، على أن يصدر بتنظيم إقامته، وبتحديد قيمة تلك الوديعة، قرار من وزير الداخلية بعد موافقة مجلس الوزراء. والأمر هنا يحتاج إلى مناقشة وتحليل.
وحقيقة الأمر، فإن القانون بهذا الشكل يعبر عن عقم الحكومة، في إيجاد سبل ووسائل لزيادة مواردها من النقد الأجنبي، ولا توجد دولة بالعالم تعالج مشكلاتها الاقتصادية بتلك الأدوات؛ الأمر الذي يدل على فشل الحكومة في اتباع سياسة اقتصادية ناجحة، وبيع الجنسية مقابل مبالغ دولارية لن يؤدي إلى زيادة الناتج القومي، والكل يعرف أن مشكلة مصر الاقتصادية تكمن في انخفاض ناتجها القومي،، وأنها تحتاج إلى زيادة معدل نمو الناتج القومي بنسبة 7%، حتى يتحسن اقتصادها، وسيظل الاقتصاد المصري حبيس ندرة العملة الأجنبية؛ لقلة الطلب على الجنيه بسبب قلة الصادرات، وفجوة الاحتياج للعملة الصعبة تزداد بمرور الزمن، ولا يمكن الحد منها إلا بزيادة الناتج القومي، من خلال موارده الخمسة، وهي: السياحة، والاستثمار الأجنبي، والصادرات، وقناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج.
قد حرصنا هنا على مناقشة الأمر من نفس الرؤية، من زاوية المصلحة الاقتصادية وليس غيرها، والتي تدعيها الحكومة المصرية، رغم أن مخاطر مثل هذا القانون على الأمن القومي المصري قد لا تخفى على أحد، في ظل تساؤل مبدئي من الذي سيسعي إلى الحصول على الجنسية المصرية، خاصة أن مصر قد لا تكون -نظراً لعوامل عديدة- منطقة جذب، سوى لجنسيات محدودة من رعايا الدول الإفريقية، أو من مناطق النزاعات المسلحة؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.