الخميس 14 رجب / 21 مارس 2019
01:21 م بتوقيت الدوحة

فقراء العراق إذ يتظاهرون من جديد.. أي دلالة؟

238
فقراء العراق إذ يتظاهرون من جديد.. أي دلالة؟
فقراء العراق إذ يتظاهرون من جديد.. أي دلالة؟
لا أسخف من حديث بعض السياسيين العراقيين عن تظاهرات فقراء الشيعة في الجنوب العراقي بذات لغة الطغاة التقليدية، ممثلة في قصص المندسين وما شابه.
من تظاهروا في الجنوب العراقي خلال الأيام الماضية هم أنفسهم الذين تظاهروا مراراً من قبلُ احتجاجاً على تردي الخدمات، وسوء الأوضاع الاقتصادية، وهم أنفسهم من هتفوا «إيران بره بره»، ومن هتفوا «باسم الدين باجونا الحرامية»، وتم الرد عليهم بقتل بعض النشطاء في بيوتهم، من دون أن يحتج أحد على ذلك.
أليس مثيراً للسخرية، وللقهر في آن، أن نسمع نوري المالكي وأمثاله يتحدثون عن حرب الفساد والفاسدين، في الوقت ذاته الذي يؤيدون فيه دعوات «المرجعية» لتلبية مطالب المحتجين.
نوري المالكي هو رئيس الحكومة السابقة، وهو إلى جانب كونه أسوأ الطائفيين في تاريخ العراق؛ هو أسوأ الفاسدين أيضاً، ليس بشهادتنا نحن المتهمون بالطائفية (تهمة بائسة تعودنا عليها)، بل بشهادة رموز من الفئة ذاتها، ليس أشهرهم مقتدى الصدر الذي اتهمه مراراً بسرقة المليارات، وغيره كثير، بل بآخرين مثل بهاء الأعرجي (كان نائب المالكي واتهم بالفساد أيضاً) الذي قال ذات مرة: «لقد أهدرت الحكومة السابقة نحو تريليون دولار، وهي عبارة عن 800 مليار دولار موازنات العراق النفطية منذ عام 2004 وحتى 2014، بالإضافة إلى نحو 200 مليار دولار منحاً ومساعدات»، «لا توجد حسابات ختامية حتى نعرف كيف أنفقت، ولا يوجد إنجاز على الأرض حتى نتلمس تلك الأموال من خلال مشاريع ومنجزات».
جريمة المالكي (وعصابته طبعاً) برأينا لا تتوقف عند حدود ما نهبه من أموال العراق، ولا ما أهدره بسوء إدارته، بل تتجاوزها إلى النار التي ألقى فيها العراق وأهله بطائفيته المقيتة، والتي أشعلت حرباً ضيّعت الكثير من ثرواته، بل رهنتها لعقود مقابل صفقات سلاح مع روسيا وأميركا وسواهما، ولا تسأل عن قتل وتشريد مئات الآلاف من العراقيين تبعاً لذلك.
مفارقة أخرى تستحق التوقف في قصة المظاهرات التي نحن بصددها، فهذا الحنان النسبي على المتظاهرين (قتل وجرح المئات رغم ذلك) لم يأت إلا لأن غالبيتهم من المواطنين الشيعة، والذين لا يجرؤ القوم على مواجهتهم بالقمع الدموي الواسع مثلما فعل المالكي بالمعتصمين السلميين في الأنبار وغيرها.
المفارقة الأخرى هي دور ما يسمى المرجعية في القصة، والتي تستخدم في وصف المرجع الشيعي علي السيستاني، وهي مفارقة بالغة الغرابة، إذ أعلنت «التضامن» مع المتظاهرين، ودعت لتلبية مطالبهم، وهو الموقف الذي عادة ما يرد عليه السياسيون بالوعد بتسوية الأمور؛ كأننا إزاء دولة دينية، يأمر فيها «الولي الفقيه» فيطاع، لكنها طاعة بائسة، فكم مرة خلال السنوات الماضية طالبت فيها المرجعية بتحسين شروط حياة المواطن دون جدوى، كأنما هي تعظ وتخلي نفسها من المسؤولية لا أكثر، مع الاحتفاظ بقدسيتها!!
نقول أحياناً إنها لا تتدخل في السياسة، لكنها تعود للتدخل، ولا تظهر لها مواقف إيجابية صارمة في وقف طوفان الفساد، ولا اغتيال صوت المواطن. كل ما في الأمر أنها تذكّر عبر مواقفها بأن العراق دولة شيعية، وليس دولة ديمقراطية يحكمها القانون والمؤسسات والدستور.
من المؤكد أننا إزاء حراك شعبي ذي دلالة مهمة، لأنه اعتراف واضح جديد من قبل الشارع الشعبي الشيعي بأن من ركبوا ظهره (وركبوا دبابة المحتل قبل ذلك)، وغالبيتهم من الشيعة كانوا فاسدين.
ولا يخلو الأمر من احتجاج على مساعي إيران للانقلاب على نتائج الانتخابات التي رفعت من صوت هذه الفئة الشيعية المهمّشة التي صوتت للتيار الصدري تحديداً، ما يعني أن الآمال بتحسين الأوضاع ما زالت محدودة، وستبقى كذلك ما لم يحصل العراقيون على بلد لا يُحكم من ميليشيات طائفية يتم التحكم بها من الخارج .
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.