الأحد 12 شوال / 16 يونيو 2019
04:13 م بتوقيت الدوحة

ثلاثة أقوال وعبرة

ثلاثة أقوال وعبرة
ثلاثة أقوال وعبرة
لن يرحم التاريخ أولئك الذين خانوا وخذلوا أوطانهم، وتسببوا في هزيمتها وإلحاق الضرر بها وتمزيقها وتدميرها. وقد حفر التاريخ على صفحاته كثيراً من قصص الغدر والخذلان، وبقيت محفورة في الذاكرة، مدونة ومكتوبة للأجيال القادمة. وإذا كان يحظى ابن العلقمي -وزير الخليفة العباسي المستعصم بالله، الذي يؤرخ البعض لخيانته وتآمره مع التتار وتسهيل دخولهم لبغداد وخرابها- برمزية حين يجري الإشارة إلى فعل الخيانة؛ فإن ثمة الكثير من القصص التي تجاوزتها الأمم والشعوب بمرور الزمن واستمرت بفضح وتوبيخ هذا الفعل.
عندما تم القبض على زعيم الثورة الكوبية تشي جيفارا -أحد أشهر الثّوار اليساريين- في مخبئه الأخير بوشاية من راعي أغنام، سأل أحدهم الراعي الفقيـر: لماذا وشيت برجل قضى حياته في النضال ضد المستعمر الخارجي وعملائه؟ فأجاب الراعي: «لقد كانت حروبه تروّع أغنامي». والعجيب أنه لم يكن إلا راعياً للأغنام وليس مالكها. إنها الخيانة والغدر -يا رعاكم الله- فهي الفعل القبيح الذي يأتي من مأمن فتكون الطعنة قاتلة!
وعندما اجتاح المغول مدينة بخارى -إحدى بلاد خراسان المسلمة- عجزوا عن اقتحامها، فكتب جنكيز خان لأهل المدينة أن من سلّم لنا سلاحه ووقف في صفنا فهو آمن، ومن رفض التسليم فلا يلومن إلا نفسه، فانشق صف المسلمين إلى صفين اثنين: فمنهم من رفض الاستسلام، ومنهم جبن عن اللقاء.. فكتب جنكيز خان لمن وافق على الرضوخ والتسليم أن أعيننا على قتال من رفض منكم ونوليكم بعدهم أمر بلدكم. فاغتر الناس بكلامه رغباً ورهباً من بطشهم، فنزلوا لأمره، ودارت رحى الحرب بين الطرفين، طرف دافع عن ثبات مبادئه حتى قضى نحبه، وطرف باع نفسه للتتار فسيّروه عبداً من عبيدهم. في النهاية، انتصر طرف التسليم والخيانة، ولكن الصدمة الكبرى أن التتار سحبوا منهم السلاح، وأمروا بذبحهم كالنعاج، وقال جنكيز مقولته المشهورة: «لو كان يُؤمن جانبهم لما غدروا بإخوانهم من أجلنا ونحن الغرباء!».
القصة الأخيرة التي روتها كتب التاريخ عن نابليون ووصول جيوشه لدى احتلاله أوروبا إلى النمسا، إذ كان هناك ضابط نمساوي يتسلل بين الفينة والأخرى إلى نابليون بونابرت قائد الجيش الفرنسي، يفشي له أسرار جيشه وتحركاته. وعندما انتهت المعركة، رفض نابليون مصافحة الضابط النمساوي الذي ساعده على احتلالها، وقال له: خذ أجرك، لكني لا أصافح من خان بلاده. وقال نابليون عبارته التي حُفرت كإحدى أروع عبارات التاريخ الحديث عن الخائن والخيانة: «مثل الخائن لوطنه كمثل السارق من مال أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه، ولا اللصوص تشكره.. لهذا أبصق عليه».
وعندما سُئل هتلر عن أحقر الناس الذين قابلهم في حياته، فأجاب: أولئك الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم.
إن من أعقد ظواهر الأمراض السلوكية الخيانة. وهذه الأخيرة خطيئة تتسم بالظلم، والظلم هو الأقسى والأعنف في استفزاز العواطف البشرية. وللخيانة قصصها وفصولها التي لا ولن تنتهي، إذ تبدأ فصولها من المؤامرة والدسائس، وتنتهي معظمها على مقصلة الإعدام، والثابت أنها وصمة عار لكل من صارت لقباً له.

فاصلة؛
صفحات التاريخ لن ترحم، وذاكرة الأمم والشعوب ستبقى حية لا تموت، وهي قادرة دوماً على التمييز بين الشرفاء والخونة. وسيبقى في كل عصر وكل زمان نبل النبلاء وخسة العملاء، وما أشبه اليوم بالأمس الذي لم ولن يرحم خائناً ولا نذلاً! فالشعوب أقوى وأبقى ممن يخونها!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

«أما بعد»!

06 مايو 2019

العدل ليس مجرد قيمة!

22 أبريل 2019