الثلاثاء 18 ذو الحجة / 20 أغسطس 2019
06:30 ص بتوقيت الدوحة

أَأَنْتَ مُثَقَّفٌ؟!

أَأَنْتَ مُثَقَّفٌ؟!
أَأَنْتَ مُثَقَّفٌ؟!
ذات يوم، كنا في حلقة نقاشية مع «البعض»، فإذا بأحدهم يكرر في ثنايا حديثه: «بما أننا مثقفون»، «ونحن المثقفين»، بصوت متعالٍ، فيه عُجْبٌ وخيلاء، وكأنه لا يوجد على وجه الأرض من هو أفضل منه، فلا يعجبه من المؤلفين إلا من قرأ كتبهم ومرّ على علمهم، ولا تجده يقرأ إلا لقديم دارس، وسابق مغرق في قدمه، لظنّه أن المدراس القديمة والحضارات الغابرة، هي فحسب من يجب الاعتراف بعلمها وفضلها، ولا فضل لعلم اللاحقين والمعاصرين ليذكروا به. يتذرع بوهن التأليف، وفتور التدريب، وأن الضعف قد ساد الثقافة والمثقفين، فلم يعد قادراً على معرفة الغث من السمين، والصالح من الطالح، والرفيع من الوضيع.
لحظة من فضلك!
من أنت حتى تميّز الغث من السمين، وتميّز علوم الأولين من علوم الآخرين؟ هل بلغتَ الغاية القصوى من الثقافة؟ أم هل ألمَّ فكرك بكل حرف خطّ في الكتب؟ لِمَ الخوض فيما لا يخوض فيه أعلم الناس وأعرفهم؟ دع هذا عنك، لا تركز في هفوات الناس، وقصور البشر، ولا تبالغ، فالإنسان بطبيعته يحب أن يكون غير نفسِه، وأن يمنح نفسَه أبعاداً تفوق إمكاناته وقدراته، فلربما رغب في أن يكون يوماً مؤلفاً وكاتباً وشاعراً، بل ومثقفاً أيضاً، فقام واجتهد وفق نمطه وأسلوبه (أياً كان)، وصار معهم، وادعى أنه خبيرٌ ومفكرٌ ومثقفٌ، بدليل إصداره كتاباً، أو حبكه روايةً، أو نظْمه قصيدةً، أو حصوله على شهادات تدريب، هذا الأمر لا يعنيك، فلا تفسد مناخك الراقي الذي بنيته في سنوات عديدة، وأصبح متألقاً وأنيقاً، ولا تصبح ناقداً فجاً، وشاعراً هاجياً، وأديباً ناقماً، لما تراهُ حولك مما يغضبك، ولا يروقك من أصحاب المدارس الجديدة.
وتأكد أن العصور تتبدل ويتبدل أهلها وأَعلامُها، وتتنوع فيها الأفكار وتتعدد، فلا يوجد شر قط، ولا خير قط، فأبناء اليوم يقومون بعمل هو في رأيهم رائعٌ بصوابه وخطئه، وهذا يعود إلى المحيط وإلى التيارات الموجودة، فالنتائج ليست إلا عملية جرت بخطواتها، والنهايات محك البدايات.
كل ما أريد قوله في هذا المشهد: إن المثقف، للأسف، متهم اليوم، لأنه افتقد كثيراً من الأخلاقيات والذوقيات التي تجعله مثقفاً صرفاً لبقاً، ومردُّ ذلك، أنه قرأ كثيراً في عصر أصبحت فيه القراءة نسياً منسياً، ولم يعد يرتاد عالم القراءة إلا قلة، فهذا القارئ النهم يظن بنفسه خيراً مطلقاً، وتميزاً لا يضاهيه فيه أحد، ولا نلومك، فأنت تقوم بما لا يطيقه غيرك، ولكن ليس هذا كل شيء، وليس هذا منتهى الغاية، ما دمت غير قادر على مواجهة العالم بأسلوب لطيف، وبعبارات تنمُّ عن حسن تربيتك، فلو قالوا: أنت شاعر، وأنت كاتب، وأنت روائيٌّ، وأنت قاصٌّ، وأنت كاتبٌ، وأنت مدربٌ، فتذكر أنك بشرٌ من دمٍ ولحمٍ، بك من التضاد كثير، ومن النقص ما يدركه باطنك، ويتستر عليه ظاهرك.
قديماً قيل: «من ظن أنه علم فقد جهل»، والعلم حسن في الطباع، وجميل في الفعال، وأول أمراض العلم الكِبر، «ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، وليتني أيها المثقف أستطيع مجاراتك في مقدار ما تقرأ، لكن هيهات لك أن تجاري أهل العلم والورع، ومن يقولون دوماً: «كلما قرأت كتاباً اكتشفت مقدار جهلي بنفسي، وبما يدور حولي»، فكن مثقفاً ورعاً متواضعاً، واجعل نفسك خير وعاء لخير ما يمكن أن تحويه، «علم وأدب»، ودمتم مثقفين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019

مفاهيم تثاقفية

21 يوليه 2019

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019