الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
03:00 م بتوقيت الدوحة

أردوغان في عيون العرب (1-2)

أردوغان في عيون العرب       (1-2)
أردوغان في عيون العرب (1-2)
لم يكن فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة سوى حلقة من حلقات متصلة أكّدت أن هذا الرجل ليس كبقية الرؤساء الذين عرفتهم تركيا، وليس قائداً كبقية القادة الذين عرفتهم المنطقة، إنه باختصار رجل صاحب مشروع، وهو على استعداد لأن يضحّي بكل شيء في سبيل مشروعه، نعم فلقد ضحّى مبكّرا بعلاقاته التكوينية الأولى مع جماعته الأم، وقد لاقى بسبب هذا ما لاقى، لكنه بعد أن تكلل مشروعه بالنجاح رأيت الذين كانوا يلومونه بالأمس يلتحقون به، ثم ضحى بأقرب الناس إليه في تجربته الجديدة ممن ناصروه مبكراً وأيّدوه، لكنهم اختلفوا معه -ربما- في تصوراتهم لطبيعة المرحلة وتحدّياتها واحتياجاتها، وأقرب مثال لهؤلاء المفكر والمنظّر المعروف أحمد داود أوغلو، والذي ما زال رغم ما حصل يساند التجربة الأردوغانية من موقع آخر، وهذه سمة بارزة من سمات العمل السياسي في تركيا، فالخلاف في ملفّ ما لا يعني الخلاف في كلّ الملفات، ولا يعني التقاطع والتدابر كما هو الحال في كثير من تجاربنا العربية، الإسلامية منها وغير الإسلامية.
نجاحات أردوغان لا تتوقف رغم تعقيد الملفات التي يمسك بها على المستويين الداخلي والخارجي، لكن هذه النجاحات سبّبت مجادلات عربية عربية، أغلبها -مع الأسف- خارج نطاق الواقع وخارج نطاق التأثيرات المتوقعة لهذه الظاهرة، فقد أصبح من المعتاد أنه مع كل نجاح أردوغاني ترى موجة من التهاني والتبريكات والتكبيرات تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الشباب المنتسبين للجماعات الإسلامية، وتقابل في الغالب بموجة أخرى مضادّة تتبناها في الغالب توجهات قومية وعلمانية وطائفية، إضافة إلى أقلام تدور في فلك الأنظمة المعادية لأردوغان، وبين هؤلاء وهؤلاء ترى نمطاً حائراً وعاجزاً عن تفسير ما يجري، فهناك مثلاً من يسمع لتكبيرات المكبّرين وتبريكات المباركين، ثم يتلفت إلى واقعه فلا يجد أثراً من عون أو نصرة، وربما هذه هي حال كثير من العراقيين اليوم بعدما أصابهم ما أصابهم، وهناك أيضاً مثال آخر فبعض الشباب المتديّن الذين قدموا إلى اسطنبول وكانوا يظنونها عاصمة للخلافة ونموذجاً للمشروع الإسلامي، تصدمهم المناظر المخالفة للشريعة، حتى في صفوف حزب العدالة والتنمية، والتي كانوا في بلادهم ربما يوالون ويعادون على أساسها، فلم يسعفهم وعيهم لفهم هذه الحالة ولا كيفية التصرف معها.
لا أنكر -مع كل هذا- وجود تيار عربي واعٍ بل وقادر على الإسهام بتقديم النصح والدراسات العلمية والموضوعية المفيدة، ومثال ذلك البحوث المقدمة إلى «مؤتمرات الدولة» المنعقدة في تركيا، والتي شاركت فيه عقول عربية كبيرة، بينها الدكتور عماد الدين خليل، والدكتور سعد الدين العثماني، والدكتور أحمد الريسوني، والدكتور عبد المجيد النجار، والدكتور جاسم سلطان، والشيخ محمد حسن الددو، وكذلك المقالات النوعية للمفكر التونسي عبد الفتاح مورو، وغيرهم، إلا أن هذا النمط يضيع في العادة وسط زحمة الاصطفافات السطحية والعاطفية.
أما الأنظمة فبشكل عام فلا يعنيها هذا الجدل، وإنما تتحرك في العادة وفق مواقف سياسية قد تكون مرتبطة فعلاً بالمصلحة الذاتية أو الوطنية، وقد تكون مرتبطة بعلاقات وتوازنات خارجية، لا دخل لها بالمصلحة الذاتية ولا الوطنية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.