الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
05:23 م بتوقيت الدوحة

لا يزال بندول العلاقة مع الجنوب متأرجحاً

لا يزال بندول العلاقة مع الجنوب متأرجحاً
لا يزال بندول العلاقة مع الجنوب متأرجحاً
نظم أبناء جنوب السودان في أستراليا تظاهرة تطالب بإعادة الوحدة مع السودان، وهي ليست التظاهرة الأولى فقد سبقتها دعوات من داخل جنوب السودان نفسه تطالب بالوحدة مع بلد اختاروا الانفصال عنه قبل أقل من عقد من الزمان. هذا التأرجح بين نقيضين يستلزم نظرة موضوعية فاحصة علّها تفسر الحالة الغريبة.
ما يطالب به كثير من الجنوبيين اليوم هو المرحلة التي تلي منطقياً حالة عاطفية تدفع أصحابها إلى الخيار الأقصى، ثم ترتد به إلى نقيضه عند الطرف الآخر في حركة بندولية تكاد تصيب صاحبها بالدوار.
كانت الدعوة إلى الانفصال عن الشمال معبّرة عن رفض غاضب لسياسات الشمال والشماليين تجاه الجنوب، لما فيها من ظلم حسب معايير الجنوبيين. تحقّق الخلاص من الشمال ليواجه الجنوبيون بامتحان عسير هو إدارة الدولة؛ حيث لم تعد الشكوى من الشمال هي الجند السياسي الأوحد.
تُعزى المشاعر الغاضبة التي خالطت الدعوة للانفصال إلى معاملات استعلائية من الشماليين. ولم يكن بالإمكان مع تلك المشاعر العاطفية القوية مناقشة مخاطر قد تصاحب الانفصال؛ كما أن الشعور بالغضب تجاه الشمال جعل للانفصال مزية أخرى بجانب تحقيق الاستقلال، هي إتاحته فرصة عظيمة للانتقام من الشمال. ويزداد هذا الإحساس عند الجنوبيين كلما لاحظوا حرص الشمال على إبقاء الجنوب جزءاً من السودان، فيزداد حرص الجنوبي على فصل الجنوب إغاظة للشمالي وعقاباً له. ثم اكتملت أركان العقاب بظهور البترول في الجنوب لتصبح عقوبة الانفصال مغلّظة حين يصبح الانفصال أحد أسباب إضعاف الاقتصاد السوداني.
لقد شفى الجنوبيون غليلهم من الشمال بأن فصلوا وطنهم، ثم استمتعوا بالضحك على الشمال وهو يعاني من الحرمان من بترول الجنوب؛ لكن لأن «فش الغبينة» لا يمكن أن يكون أساساً لبناء دولة، فقد فشل الجنوبيون فشلاً لا يجارى في إدارة دولتهم، فأصبح الفساد والحرب الأهلية هما أبرز السمات في الدولة الوليدة، لتكشف لهم الصدمة القوية الحقيقة المرة، وهي أنهم لم يروا في دولتهم المستقلة عندما كانت حلماً غير إغاظة الشمال.. ولمّا آن أوان الإفاقة من نشوة الاستقلال بعد أن ووجهوا بصدمة الفشل، ظهرت دعوات العودة للسودان. وهي دعوة لا تخلو من عاطفة مثل الدعوة المتشددة للانفصال. ويبدو أن بندول العلاقة مع الجنوب ما زال متأرجحاً بين دعوة غاضبة للانفصال، ثم دعوة عاطفية للعودة إلى (حضن) الشمال. ولن تكون الدعوة موضوعية إلا باستقرار البندول بعد أن تنتهي حالة التأرجح. عندها سوف يكون نقاش العلاقة موضوعياً، وعندها سوف يكون زمام المبادرة بيد الشمال. في تلك المرحلة، لن يفرض الشمال -برد الفعل- شروطاً صعبة على الجنوب المعتذر، ولن يفرض الوحدة بالإذعان، فالجنوب باختلافه الثقافي الواضح لن يكون جزءاً منسجماً مع الشمال؛ لكن حقائق الجغرافيا السياسية تجعل في الإمكان تحقيق مصالح مشتركة في ميادين التجارة والاستثمار..
زمام المبادرة بيد السودان، فليدر الأمر بحنكة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.